الكاتب: بوزيد الغلي

أضواء على ” المنْزْلَة ” و التغيرات ” المناخية” في الموروث الشعبي الحساني

د. بوزيد الغلى

يزخر الموروث الشعبي الحساني بعديد المعارف و التصورات المتصلة بالفلك و النجوم و أثر تقلبات الفصول على حياة الناس و معاشهم ، و لقد ” وظف أجدادنا هذا الموروث  لحساب سنتهم الفلاحية التي تبتدئ بموسم الحرث وتنتهي بموسم الحصاد والدراس” ،ومن المعلوم ، أن أسماء ” المنازل ” في الثقافة  الشعبية الحسانية لا تختلف كثيرا عن نظيرتها المعروفة في الموروث الشعبي في شمال المغرب ،  و لقد ذيل  الشاعر الخريت بثقافة الصحراء و مسالكها محمد سالم بابا المعروف بالري أي الملك بالإسبانية معجمه القيم  الموسوم ب : (كنز الذاكرة ) بجدول جمع فيه كل أسماء المنازل و النجوم في الثقافة الحسانية ، أما الباحث المتخصص في علم الاجتماع الدكتور المحجوب كماز ، فقد خصص جانبا من أطروحته (

 

أثر التغير الاجتماعي على الأسرة الصحراوية [1]

 

” لبحث كيفية تعامل الأسر الصحراوية في البدو و الحضر مع التقويم الزمني ، حيث أشار إلى مسألتين هامتين مرتبطتين بأثر التغير المناخي على سلوك ” أهل الصحراء :

-أولاهما : ” تجسد أثر التغير المناخي على سلوك سكان  الصحراء في عدد من الأقوال الجارية مجرى الأمثال السارية ، فقد قيل عن  المشبوح (مجموعة من النجوم ترتسم في السماء على هيئة جسم إنسان) : (إلى (إذا) طلع المشبوح عشيوة ، اشري لوليدك كسيوة) ، وإلى طلع المشبوح عكيبة ، اشري لولدك كريبة ) ، أي إذا طلع المشبوح وقت صلاة العشاء (عشيوة) ، اشتر لولدك كسوة ، لأن البرد سيشتد ، و إذا عقب صلاة العشاء ، فزود ابنك بقربة تعين على تبريد الماء ، فإن الطقس ، سيأتي حارا .

ثانيهما :  ارتباط انعقاد المواسم التجارية بالصحراء المعروفة ب : أمكاكير (ج أمكار) بنهاية الدورة الفلاحية أو الموسم الفلاحي ، مشيرا في هذا الصدد إلى مواسم القرى الزراعية بوادنون مثل : أمكار سيدي محمد بن عمرو بأسرير و موسم لقصابي التي تنعقد في مطلع الصيف من كل سنة” .

و في سياق متصل ، أورد الباحث كماز مقاطع من منظومة  معزوة لأحد الأولياء ، يدعى زروق ، تعكس امتزاج  التجربة  و الفراسة في  استشراف  تغيرات المناخ و أثرها على المحاصيل و الغلال ، دون أن تخلو بعض أبيات المنظومة من التفكير الغيبي الذي يطبع إنتاج الكرامات عند الأولياء؛ يقول الناظم :

وإن ترد خبرة ما بالعام ////  من  قحط  أو مطر ذو انسجام

فانظر إلى اليوم الذي به دخل ////  رجب ، كالفرض الذي به العمل

فإن يكن دخوله بالجمعة //// فغلة ونصفها متسعة

وإن يكن دخوله بالسبت //// يعطيك غلة بدون  نبت

وإن يكن دخوله بالأحد ////  يعطيك غلة بدون زايد

وإن يكن قد هل بالأثنين //// يعطيك غلى بدون ميْن

وإن يكن دخوله بالثلاثاء /// يعطيك نصف غلة و ثاء

وإن يكن دخوله بالأربعاء /// فاحذر فتلك سنة شهباء

وإن يكن قد هلّ بالخميس /// فالقحط و الويل بلا تدليس

ذكر ذا القطب الولي الصالح /// زروق ذو السر الخفي الواضح

وليست تخفى معالم التفكير الغيبي المتصل بما يسميه محمد علي تركي الربيعو بالميثولوجيا الدينية التي تسم يوم الأربعاء الأخير من الشهر بيوم النحس ، على اعتبار أنه اليوم الذي سلط فيه الله عذابه على قوم صالح بعد عقرهم الناقة ، و ذاك تطير تسلل من بعض المرويات في كتب التفسير إلى المعتقدات الشعبية التي يعكس جانبا منها ، في تقديري ، وصف الناظم  السنة التي تستهل بيوم الأربعاء بالسنة الشهباء !

و إذا ازورّ اهتمامنا عن المعتقدات الشعبية  المتلبسة بالتطير من أيام الأربعاء و الخميس ، لاحت  لنا بعض المرددات الشعبية التي نسجها الحكماء الشعبيون عن نجم سهيل الذي يتزامن طلوعه مع احمرار أو نضوج البلح و توالد الأنعام (ذروة النتاج الزراعي و الرعوي).

 

إذا طلع سهيل  ،  رفع كيل ووضع كيل !

سُهَيْل : سهيل في الحسانية نجم كما في الفصحى ، جاء في تاج العروس ” سُهَيْلٌ : نَجْمٌ يَمَانِيٌّ عِنْدَ طُلُوعِهِ تَنْضَجُ الْفَواكِهُ ويَنْقَضِي الْقَيْظُ ، قالَ الشاعِرُ :
” إذا سُهَيْلٌ مَطْلَعَ الشَّمْسِ طَلَعْ
فابْنُ اللَّبُونِ الْحِقُّ والْحِقُّ جَذَعْ
ويُقالُ : إِنَّهُ يَطْلُعُ عندَ نَتاجِ الإِبِلِ فِإِذا حَالَتِ السَّنَةُ تَحَوَّلَتْ أَسْنانُ الإِبِلِ”
و يقال : “إذا طلع سهيل برد الليل وخِيف السيل وامتنع القيل ،  ولأم الفصيل الويل ، ورفع الكيل”، وقالوا: “إذا طلع سهيل طاب الليل وامتنع القيل”، و في المثل العربي ” إذا طلع سهيل رفع كيل ووضع كيل”.
و في الثقافة الحسانية ، تشير بعض المأثورات والمرددات الشعبية إلى مثل هذه التقلبات التي تصاحب طلوع سهيل  في الثقافة العربية  من قبيل :” ما يطلع اسهيل إلين ايعود السيل فلبطاح  ،  والخروف فلمراح”، أما  المثل الحساني فيستثمر التمثلات الشعبية عن سهيل للدلالة على القوة والندية ، إذ يقول : ” اكَعدْ لهم مكَعدْ سهيل للنجوم ” .أي قعد لهم مقعد سهيل للنجوم .

 

 

 

 

 

 

 

[1]  المحجوب كماز ، أثر التغير الاجتماعي على الأسرة الصحراوية ، أطروحة دكتوراه في علم الاجتماع .

شاهد أيضاً

ملف النيابة 04/2017 ملف من عصر آخر../ اليزيد ولد اليزيد

منذ فترة، يطغى أحد الملفات على وسائل الإعلام في نواكشوط، بل يتجاوز ذلك، “ملف ولد …