أعلي ولد محمد فال..العسكري “الإصلاحي”/ تحليل

 

عالي الدمين 

كان الرحيلُ المفاجئ للرئيس الموريتاني السابق أعلي ولد محمد فال، مساءٍ أمس في صحراء تيرس، صادمًا بالنسبة لعددٍ كبير من الموريتانيين، الذين طالما بدا لهم سياسيًا عتيدًا يمتلك كثيرًا من أسرار الدولة وأجهزتها الحساسة، نظرًا لتجربته الطويلة: مديرًا عاما للأمن الوطني طوال عشرين سنة من حكم ول الطايع، ورئيسًا للدولة بعد ذلك خلال عشرين شهرًا.

في فترته الأخيرة، انخرط أعلي في العملية السياسية الموريتانية، مُعارضًا للنظام الموريتاني الحاكم، عبر الانضواء تحت لواء منتدى الديمقراطية والوحدة المُعارض، الذي يعدّ في الوقت نفسه أحد أبرز شخصياته السياسية والقيادية. وفي ظهوره دائمًا، بالموازاة مع ذلك النشاط السياسي المتفاوت زمنيًا، كان أعلي جريئًا في التعبير عن موافقه المشككة في شرعية النظام الحالي دون مراعاةٍ لأي انتماءاتٍ مؤسسية أو قبليّة، وذلك ما جعل موقفه استثنائيًا في المشهد القائم.

استثنائية أعلي السياسية، التي يحظى بها في هذه الحالة، تعودُ لأمرين: أولًا، بما هو منتسب عريق للمؤسسة العسكرية في البلاد، بما يستدعيه ذلك ههنا من تمثيلٍ أصيلٍ لكل سياساتها؛ وثانيًا، بوصفه رئيسًا سابقًا للبلاد تخلّى عن كرسيّ الحكم لشخصيّةٍ مدنية بعد عقود طويلة من القبضة العسكريّة الثقيلة على منظومة الحكم في البلاد.

هذان الأمران هما تقريبًا محور تلك الاستثنائية القويّة التي أضفت على الرجل بُعدًا قياديًا يثير الأسئلة والاستفسارات. ولا ينبغي أن ننسى هنا، إضافة لما سلف، أنه كان له أيضًا حضور معتبر في المشهد العام منذ الانقلاب العسكري الأول، بل وكان له كذلك دور فعالٌ في بعض الانقلابات (إنجاحاً وإفشالًا)؛ ولاشك أن تربعه على رأس الأمن طيلة عشرين سنةً طبع صورته في أذهان الموريتانين بهالةٍ من الغموض والرهبة. ومن شأن هذه الأمور، على سبيل المثال، أن تعطي لشخصيّةٍ ما أبعادًا أسطوريّة في المشهد السياسي والعمومي الموريتاني المتأثر بأحداثٍ تاريخيّة مفصليّة في خريطته.

أعلي ولد محمد فال تبعًا لما تقدّم يُشكّل مرحلةً مهمة في تاريخ موريتانيا السياسي والعسكري، تستدعي من الجميع دراسةً متيقظة، تضيفُ للتوثيقِ التاريخيّ الأمين، نظرةً نقدية متفحصّة تكشفُ الحجاب عن كل السلبيات، وفي الوقت نفسه، تُساعد على دفع واقعنا العام نحو تجربةٍ ديمقراطية متكاملة يشعرُ جميع الموريتانيين بحسّ الانتماء إليها. وفي ذلك الصدد سنحاولُ إلقاءَ نظرةٍ على تلك المرحلة، خاصة في ظلّ الفترة الرئاسية، رصدًا وتقييمًا.

حين حصل انقلابُ 3 أغسطس على معاوية ولد الطايع، كان ذلك حدثًا قويًا، دفعَ عددًا من الموريتانيين للفرح العارم، وإن كان بعضُهم فرحَ بتحفّظ كاملٍ أو نسبيّ، خوفًا من تكرار سيناريو ولد هيدالة-ولد الطايع المأساوي، إلاّ أنّ الاعتقادَ كان، في تلك الحالة، هو أنّ بعض التجاربُ لا تُسقط إلاّ بتجاربَ مشابهة لها، في الأسلوب إن لم يكن في المضمون. هذا ما حصل مع القوى المدنية والسياسية التي كانت تتطلّع لديمقراطية مدنية حقيقيّة، بعد سنوات طويلة من سيطرة الأحذية الثقيلة. ولكن بما أنّ الانقلاب في ذلك الحين كان قد حصلَ، فإنه لم يكنْ من ملجإٍ أمام تلك القوى سوى الاعتقاد بأن تطلّعها لن يتحقق الآن. لهذا قابلتْ الواقع بواقعيّةٍ متفهمة حفاظًا على ما تحقق حينها، أي سقوط نظامٍ عسكريّ استبداديّ أمضى زمنًا طويلا، وأملًا في تحقّق المطموح له قريبًا.

هيّأ كل ذلك الأرضية لقدوم أعلي نحو الميدان العام بصيغته الجماهيرية السياسية الحية، فقام بزياراتٍ داخلية وخارجية أكدّ فيها تطلّعه لبناء ديمقراطية مدنية تتيح الحريات والحقوق، وفي الوقت ذاته، تنفذّ إصلاحاتٍ ضروريّة جدًا، وذلك ما تمثّل في ثلاث ورشاتٍ إصلاحية أساسية هي: ورشة الإصلاح السياسي، ورشة الحكم الرشيد، ورشة إصلاح العدالة الموكلة لوزير العدل حينها، نقيب المحامين السابق محفوظ ولد بتاح. وفي الإطار نفسه، أنشئت لجنة مستقلة للانتخابات بعد نقاشٍ مع الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، لم تلبث أن شفعت بإحصاء سكانيّ ذي صيغةٍ انتخابية.

كانت تلك بدايةٌ واعدة لتنفيذ وعود أغسطس 2005، استطاعت إعطاء المشهد السياسي العام في البلاد نفسًا جديدًا بعد فترةٍ طويلة من القمع والتضيق والخيارات الواحدة التي لاتتيح أيّ شيءٍ فيه تمثيلٌ لغير الحاكم. كما أنها كانت إيذانًا بمُستقبلٍ ربّما أفضل حالاً من الماضي والحاضر معًا. وهذا كان واضحًا من تجربة التصالح مع الذات التي جرت في البداية، ممثلة في رجوع جميع المعارضين من منافي الخارج، وإصدار عفوٍ شاملٍ عن جميع الموريتانيين المدانين بجرائمَ سياسية، تمهيدًا لمرحلةٍ انتقالية هادئة. ولم يمضِ ولد محمد فال طويلًا في مقعد الحكم حتّى بدأ في إجراءات التجهيز لحكم مدني. ففي أوّل خطابٍ رسميّ له بعد تولي مقاليد الحكم، قال أعلي بأن القوات المسلحة “ليست لديها أيّ نيةٍ في البقاء في السلطة بل تصرفت فقط لخلق الظروف الملائمة لإقامة نظام ديمقراطي تعددي حقيقي”. وعلى الرغم، مما في ذلك الخطاب ممّا هو شبيه بكل الخطابات الانقلابية المُضللة، إلاّ أن التجربة ستثبت لاحقًا أن المجلس العسكري الذي يترأسه ولد محمد فال سيفي هذه المرة في النهاية بوعده بتسليم السلطة لرئيسٍ “منتخبٍ ديمقراطيًا”.

في دراستهم الرائدة “سقوط الاستبداد وانتقال السلطة: نظرة جديدة”، يعتبرُ كلٌ من باربرا قديس وجوزيف رايت وإريكا فرانتز أنّ هناك ثلاث طرقٍ لاسقاط النظام الاستبدادي هي: هزيمته في الانتخابات أو الانقلاب العسكري عليه أو حدوث انتفاضة شعبية ضدّه. ويعتبرُ هؤلاء الباحثون أن “احتمالية التحول الديموقراطي تكون أعلى من التحول لنظام استبدادي جديد في الدكتاتوريات العسكرية فقط”. وعلى ذلك الأساس، يمكننا اعتبارُ تحوّل اعلي ولد محمد فال، تحققًا لتلك الاحتمالية، علمًا أنّ مايُعتبر “تحوّلاً ديمقراطيًا” في موريتانيا حصلَ فقط حين ترأسّ سيدي ولد الشيخ عبد الله لاحقًا. وعلى الرغم من أنّ أصحاب الدراسة المذكورة، يشترطون في التحوّل الديمقراطيّ الحقيقيّ حصول الرئيس المخلوع على مصير جيّد يكون خاليًا من النفي والسجن والاغتيال، وهو مالم يحصلُ رسميًا في حالة ولد الطايع على سبيل المثال، إلا أنه يمكننا اعتبار ذلك تقليدًا عريقًا في التجربة المحلية، نظرًا إلى أن مصير الرؤساء الموريتانيين، على مرّ تاريخ البلاد السياسي الحديث، كان دائمًا مصيرًا ينتهي بالسجن أو النفي، كماهو واضحٌ في حالة غالبية الرؤساء السابقين بداية من المختار داداه وانتهاءً بولد الطايع القاطن الآن في دولة قطر.

وعلى الرغم من أنه  في عهد اعلي ولد محمد فال انضمّت موريتانيا إلى كلٍ من معاهدة الأمم المتحدة ضد الفساد والمعاهدة الإفريقية لمكافحة الفساد، وذلك في إطار دبلوماسيّةٍ عالية التمثيل، فإن ذلك لم يترك تأثيرًا ملموسًا على الفساد المستشري في الإدارة وعلى أعلى المستويات، كما أن واقع المواطنين البسطاء لم يتحسّن بشكلٍ جديّ.

إضافةً لكل ذلك الزيادات في الأجور (2006) لصالح كافة موّظفي الدولة، وهي زياداتٌ يظلّ المواطن في حاجةٍ دائمة لها نظرًا لصعوبة الواقع المعيشي. ولم يكن بعيدًا من ذلك الالتفاتة الضروريّة حينها، و التي حصلت في 24 مارس 2006 مُجسّدةً في تنظيمٍ يومٍ تفكيري حول القضاء على رواسب الرق شارك فيه جميع المعنيين الحقوقيين والسياسيين، وكانت نتيجة ذلك هو أنّ الحكومة بتاريخ 15 أكتوبر 2006 شكلت لجنةً وزارية تقترحُ عليها الإجراءات القانونية والاقتصادية والاجتماعية سعيًا للقضاء على الرق ورواسبه، وهي اللجنة التي نُصبت بعد ذلك بشهرٍ تقريبًا. ولم تكن هي اللجنة الوحيدة التي شُكّلت حينها، ففي نهاية 2005 قبل ذلك شُكّلت لجنة لإصلاح قطاع الصحافة والسمعيات البصرية مُثّلت فيها الصحافة المستقلة على نحوٍ مكثّف، وكانت النتيجة بناءً على تقرير هذه اللجنة (مارس، 2006) هو المصادقة على أمرٍ قانوني بتاريخ 12 يوليو 2006 يتعلّق بحرية الصحافة، ويضع حدًا لنظام الرقابة الأمنية المنصوص عليه في المادة 11 من دستور 1991.

بما أنه كان يسعى لإقناع الغرب بجديّة مسعاه الديمقراطيّ والانتقاليّ، فقد كان ضروريًا إن لم يكن حتميًا المصادقة على الاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الإنسان ليحقق مسعاهُ، وكان ممّا قام به في ذلك المنوال إنشاءُ اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان التي ستمهد لاصلاحاتٍ حقيقيّة معنية بالإرث الإنسانيّ في زمن سيدي ولد الشيخ عبد الله بعده، إضافة إلى ذلك أنها ساهمت بشكلٍ تشريعيّ أوليّ في تحسين ظروف المعتقلين في السجون الموريتانية، وفي تلك الفترة رخصّت السلطات لافتتاح مكتبٍ للمنظمة العربية لحقوق الإنسان، كما رخصّت لعددٍ من المؤسسات الحزبية والمنظمات غير الحكومية. وقد ساهم كلّ ذلك في إنجاح مفاوضاتٍ شاقة مع مؤسسات التمويل الدولية، كانت نتيجتها إلغاء ديونٍ معتبرة على موريتانيا.

ولعلَّ أبرز إسهامٍ قام به أعلي ولد محمد فال، غير تخليه عن الحكم لرجلٍ مدنيّ جديد، هو قيامه باستفتاءٍ دستوريّ بتاريخ 25 يونيو 2006، كانت أبرزُ نقاطه تقليصُ الولاية الرئاسية من ستّ إلى خمس سنوات (المادة 26) ومنع إعادة الترشح أكثر من مرة (المادة 28)، إضافة لذلك توقيعه، هو وجميع أعضاء المجلس العسكري، على عدم الترشح في الانتخابات المرتقبة حينذاك، والتي حين حصلت لاقت ترحيبًا وطنيًا ودوليًا نسبيًأ، وكان لها قانونٌ خاص بها أبرزُ نقاطه مرسومٌ لسنّ استخدام البطاقة الموحدة في الاستفتاء، حدًّا من عمليات الغش، إضافة إليه إعادة العمل بمبدأ الترشحات المستقلة في الانتخابات البلدية.

إصلاحاتٌ قانونية ومؤسسية من هذا القبيل كانت ضروريّة لإنشاء دولةٍ مدنية تتقدّم بالبلاد وتضمنُ لأهلها الحرية والعدالة والمساواة بشكلٍ كليّ، وتبدو الأهمية التي تحظى هذه الإصلاحات كبيرةً حين نتذّكر أنها، كما لم يكن البعض يتوقع، جاءت على يدِ قائدٍ عسكريّ في دولةٍ أورثتها السيطرة العسكرية داء الخيبة الدائم؛ وقد جاءت كلها في فترةٍ وجيزة مليئة بالأمل والهدوء، وهذا ما انعكس في أن كل شيءٍ حصل فيها كان على قدر الآمال المدنية المتحمسة.

طبعًا، لم يكن أعلي ولد محمد فال إلاّ قائدًا عسكريًا رافق لمدةٍ طويلة أنظمة عسكريّة اتسمت بالسلطوية القمعية، لكن إدارته الفترة الانتقالية قد تشفع له عند كثيرٍ من الموريتانيين. وقد منحه تخليه عن السلطة مكانة واحترامًا على المستوى العربي والإفريقي وحتى الدولي.

 

 

     

 

 

 

   

 

 

 

شاهد أيضاً

كلمات حسانية أصلها فرنسي / محمد فال ولد سيد ميله

كما في كل لغة أو لهجة، كلمات دخيلة تتلقى ترحيب اللغة المضيفة فتقوم بدمجها بسرعة …