Liu Ling- saatchiart

أين نحن من الأدب النسوي؟/ سارة محمد

وقفت ذات يوم فرجينيا وولف – الكاتبة البريطانية- أمام طالبات جامعة كامبريدج ، في محاضرتها تلك بعينِ الناقد الفاحص للحقيقةِ أثارتْ أسئلةً تكشفُ المعوقات الاجتماعية والاقتصادية التي حالت بين النساء و الكتابة الأدبية . تسمرتْ وولف أيامًا أمام رفوف المكتبة حائرةً جزعةً و هي تلتقط الكتاب تلوَ الآخر، عددٌ قليل من الكاتبات استطاع الوصول إلى الرف وبعضهن وقعَّن أعمالهم بأسماء مستعارةٍ بسبب ضغوط أو ظروف اجتماعية معقدة، أحقًا كانت الكتابةُ جُرمًا بهذه الوقاحة و السوء ؟

دعونا نتصور أن فيرجينيا تُبعث إلى الحياة لتلقي نظرةً على واقعنا الأدبي النسوي المعاصر،هل ستكون راضيةً عن محاولتها تلك،هل ستذرفُ الدموع على المزيد من الرفوف و تُحاضر بنا مرارًا و تكرارًا؟

قد تحتج وتنزعج بعض الكاتبات من اصطلاح “النسوي” لاعتباره تمييزًا سلبيًا يتضمن إهانة غير مباشرة لقدراتهن الإبداعية و تهمةً تُلصق بالنصوص الأدبية،حيث يُفرض قالبٌ معينٌ يتحرّى عن جنس الكاتب قبل التحرّي عن القضايا الإنسانية التي يُناقشها ويعالجها. كما يعتقدن أن هذه الأحكام المسبقة و المقارنة الدائمة مع تجربة الرجال الكتابية هي تضخيمٌ مفتعلٌ للصوت النسائي وعزلٌ إجباري عن السياق الأدبي العام  لأن الأدب في نظرهن إنتاجٌ إنساني يساهم في تغيير المشهد الثقافي و الفكري للمجتمع ككل.

 

و منهن الكاتبة المصرية لطيفة الزيات صاحبة رواية “الباب المفتوح” التي كانت صرخةً تحررية في وجه المجتمع وتناقضاته وعثراته و هيمنته الذكورية مُحطمةً على لسان بطلتها- ليلى- العادات القمعية والاستبدادية الممارسة على نساء جيلها . الجديرُ بالذكر أن الزيات مُناصرة للحراك النسوي لكنها ترتأي بأن اختلاف وجهات نظر الجنسين لا ينبغي أن يمس جوهر القضايا والمواقف اتجاه الإنسان المقهور و الوطن و غيره ،  فلماذا  يحصر الكاتب نفسه في مساحةٍ
ضيقةٍ تُقيده، فنحن لا نستطيع أن نقول هذا فنٌ مذكر أو فنٌ مؤنث.

 

 

 

و تقول مي زيادة التي عانت كثيرًا من قيود مجتمعها الشرقي ونظرته النمطية إليها ككاتبة و صاحبة صالون أدبي ارتاده أبرز الكتّاب في عصرها كالعقاد و الرافعي :(( لقد غالى بعض المفكرين، لا سيما بعض الذين أقنعوا نفوسهم بأنهم مفكرون؛ لقد غالى هؤلاء فيفصل المرأة عن النوع الإنساني الذي كادوا يحصرونه في الرجل. و الواقع أن كل حميّة تهزُّ المرأة إنما تنطلق من النفس الإنسانية الشاملة، و كلّ نقص يشوبها إنما يرجعُ إلى العجز البشري الشائع ، و كلُّ أئرٍ من آثار ذكائها إنما هو وجهٌ من وجوه الفكرالإنساني العام)).

 

بينما الكاتبات المُناصرات لتصنيف الأدب “كنسوي” يعتقدن بأنه يحفظُ  للمرأة خصوصيتها في الكتابة و يعطيها الامتيازات للتعبير عن ذاتها و تجاربها  لأن الخصائص النفسية والتاريخية والاجتماعية للأقلام الذكورية لن تُنصف غالبًا قضايا النساء، فيستشهدن بمقولة الفيلسوفة الفرنسية-سيمون دي بفوار في كتابها الجنس الآخر ” الواحدة منّا لا تولد امرأة، بل تصير امرأة”. و يبقى السؤال المطروح  هل الكاتبات النسويات يعلن حربًا شرسةً راديكالية النزعة ضد الرجل أو ينادين بثورة فكرية مبدأها استيراد الفلسفة الغربية دون مراعاة للقيود الدينية و الاجتماعية؟

نُقدت عدة أعمال للروائية سحر خليفة ، حيث جسدت  في رواياتها شخصياتها المرأة المضطهدة التي تعاني من القمع الذكوري للحريتها و حرمانها حقوقها . صرحتْ سحر في مقابلةٍ معها((النقاد الرجال حاولوا تحطيمي واتخذوا القضايا النسوية نافذة لمهاجمتي)). فتطرحُ الأديبات النسويات الإشكالية ذاتها ،مهما كان الكاتب مُثقفًا أو متنورًا ألن يظلّ منحازًا لجنسه و ليس بقادرٍ على التعبير عن خصوصية التجارب النسائية في كتاباته؟

تؤمن النسويات بأنَّ الهم و المعاناة مشتركةٌ بين النساء لأنها مرتبطة بمدى قدرة الكاتبات على سبر أغوار المرأة و وصف علاقتها بنفسها و الرجل والمجتمع. في اعتقادهن، فقط اللواتي وضعن على عاتقهن الإسهام المكثف و الفاعل في عالم الكلمة المطبوعة يُشعرن أخريات بأن في هذا العالم  من عاش و يعيش في ذات النفق المجتمعي المظلم .

و من جهة أخرى نتساءل، هل اللغة الانفعالية المتذمرة من القهر الاجتماعي للمرأة و تضمين  النصوص الأدبية ذات الشعارات النسوية الاستهلاكية ، أهي  تُقدم لنا حلولًا تُطبق واقعًيا ؟

تقول وولف بإنَّ التغلبَّ على سلطة الثقافة السائدة  هو وحده سيشكل فرقًا واضحًا في العمل الأدبي لأن القضايا في أي مجتمع  هي ذاتها لكنها قد تتباين في درجات أثرها على حياة أفراده و مدى تقبلهم لطرحٍ جديد و مختلف .

لكن ما قد يثير غضب وولف حقًا الاختلاف النسبي بين واقع المرأة في عصرنا و عصرها، هل لازالت القيود ذاتها تطوّق أعناقنا؟ ألم تصنع مقاعد الدراسة و مدرجات الجامعات فرقًا واضحًا في حياتنا ، أم أننا سنلقي باللوم على أنفسنا لأننا فرطنّا في الكلمات كتابةً و قراءةً،أليس الأجدرُ بنا النظر إلى حالنا مقارنةً بالدول المجاورة، أم أننا سنظل نقف ببرود عند خط البداية أملًا في حلٍ سحريٍ يحرّض أقلام النساء  على الكتابةِ عن قصصهن  و أفكارهن المبتورةِ في الدفاتر أو المخبأة في الأدراج ،لأننا ببساطةٍ نؤمن بأن تلك الأقلام وحدها هي الجديرةُ بكتابةِ فصولِ واقعها بأبعادٍ مختلفةٍ ،تكتبُ بوعيٍ دون تكلفٍ ـ علّنا يومًا ما نشهد ميلاد فيرجينيا هذه الأرض.

شاهد أيضاً

في الحرب/عتيقة باركلل

  الحرب أول ما تكون فتية *** تسعى بزينتها لكل جهول حتى إذا اشتعلت وشب …