الكاتب عبد الله ولد إسلم

الرشوة: حين تمر مر الرياضة/ عبد الله ولد إسلمُ

صبيحة الاستقلال 1960 أعلن عن تأسيس الخطوط الجوية الموريتاني “اير موريتاني ” التي كانت تتولى النقل الداخلي و الاقليمي مع شركات أخرى الخطوط الفرنسية و اتحاد النقل الدولي ITA و الروسية Aeroflot و الافريقية AIR AFRIQUE و السعودية و الليبية و المغربية و الاسبانية Iberia و حتى الخطوط التشيكوسلوفاكية و الرومانية في بعض الرحلات الدولية المرتبطة بالصيد البحري و تبديل طواقم البحارة و غالبيتها تحط في مطار نواذيبو .
أفلست الشركة “فكل الأفعال الدالة على التخريب في موريتانيا هي بفعل فاعل متحكم في الجزئيات و الكليات ” .
في 2007 تقدمت الخطوط الجوية الموريتانية للرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله بملف واف للحصول على معونة حكومية او قرض بسبع مليارات أوقية لانتشال الشركة من الافلاس و النهب الذي تعرضت له طيلة حكم ولد الطايع و من بعده سنوات المجلس العسكري و الديون المتراكمة عليها من اتفاقيات النقل الجوي مع خطوط متعددة .
رفض ولد الشيخ عبد الله بناء على استشارات متعددة من نظامه و النظام الرديف اي عملية انتشال و تم تدمير الموريتانية لعيون رجل الأعمال بوعماتو و لشراكة بنسبة 10 % للدولة و 51 % للشريك التونسي ، ليتفكك عقد الشركة التي ظلت طيلة نصف قرن شريانا متدفقا رغم الفساد و الادارات السيئة التي تناوبت عليها .
في صدد هذا الفساد أتذكر أنه في 1994 تم تمكيننا في احدى الصحف المحلية من وثائق لأكبر لعبة تعرضت لها الخطوط الموريتانية و بمشاركة من إدارتها و بعض المتنفذين و شمل التحايل البنك المركزي في عمليات صرف العملات للمسافرين للخارج ، حيث ندرة العملة الصعبة أيامها . كانت اللعبة كالتالي يذهب المتنفذ للخطوط حيث يقطع تذكرتين او اربع تذاكر او اي رقم مزدوج إحداها باسم شخص بالغ و الثانية باسم طفل تحت سن “نصف التذكرة” بعد اكتمال الاجراءات و تأكيد الحجز نهائيا . يقوم الشاري المتنفذ بعملية دقيقة لقطع غلاف تذكرة الطفل التي تحمل الباركود و كذلك تذكرة البالغ ثم يبادلهما عبر اللصق فتحمل تذكرة الطفل باركود تذكرة البالغ و العكس . يعود الشاري للخطوط و يسلم تذكرة الطفل التي تحمل الباركود الذي يتعرف عليه الجهاز مباشرة ليلغي التذكرة دون النظر للمحتوى الداخلي و يتم الشطب و يستعيد المبلغ الاجمالي للتذكرة التي تكون عادة على خطوط دولية (اسبانيا – فرنسا ) و يزيد سعرها يومها على 100 الف اوقية . ثم يأخذ التذكرة التي تحمل المبلغ الكبير و تحمل باركوود الصغير لاستخدامها في الرحلة المحجوز عليها عبر السفر عليها مباشرة . و هكذا دواليك .
نعود لموضوع الموريتانية للطيران التي نشأت في عهد ولد الشيخ عبد الله فقد استحوذت الشركة الجديدة على كافة الممتلكات التي تعود للشركة المفلسة دون ان نعرف أي شيء عن تصفيتها و التعويض عن ممتلكاتها و كيف دخلت في التجربة الجديدة ، لتبدأ تصفية الشركة بإدارة مفتش الدولة محمد ولد حرمه رفقة المصطفى ولد اعل و ولد ابياه ،
كانت الشراكة اذن جاهزة و معدة سلفا كأنما كان الأمر بيت بليل على عادة قرارات اللصوص بالهجوم في الليل البهيم . التقى الوزير الأول ولد محمد لغظف بكل من الحسن ولد ديدي مهندس، والطيار الحاج ولد عبد الله ،والطيار ساتيكي، وبا ممادو كلاديو المدير المساعد السابق للخطوط الجوية الموريتانية، وأحمدو ولد حرمه محاسب في الخطوط الجوية سابقا و اعلمهم ان الدولة بصدد اعلان شركة جديدة محل الشركة التي افلست و رفضت حكومة ولد زيدان انتشالها او قضاء ديونها حين اوقفت الشركة الامريكية الضامنة لطائرتين رحلاتهما .اسست الشراكة باربع مليارات من الأوقية و انقاض الشركة الأم في 12/2007 و حتى 12/2010 لتتوقف هي الأخرى حيث شابت عمليات شراء الطائرات الكثير من الشوائب و السمسرة التي ازكمت انوف المتابعين و انتهت في النهاية بشراء طائرات قديمة و متهالكة و بأضعاف السعر المعتاد ثم يحال ملفها للتصفية و الغريب ان ولد حرمه نفسه هو الذي سيقود تصفية الموريتانية للطيران ذات رأسمال مختلط تونسي _بوعماتو- حكومي (الرجل الجوكر) .
كان يومها الوزير الأول الحالي يحي ولد حد أمين وزيرا للنقل و المشرف على عملية التصفية مع القضاء و كان وزير العدل الحالي ولد داداه في القصر 29 ابريل 2012 مستشارا بديوان رئيس الجمهورية و محاميا عن ولد بوعماتو في ذات الوقت و في شهر اغشت 2014 يتم تعيين وزير النقل وزيرا أول لوزارة المأمورية الثانية في حكم ولد عبد العزيز .
دخلت القضية الخاصة بالموريتانية للطيران القضاء و حكمت المحكمة يوم 27 ابريل 2015 حكما اعتبره الشريك الأكبر في الشراكة ظالما و متجاوزا لحدود المعقول بتعويض الشريك التونسي للديون و المستحقات المقدرة 9 مليارات من الأوقية دون ان يشمل الحكم ذكرا للشريك الموريتاني الحكومي او الشريك الخصوصي بوعماتو بتحميلهما جزء من الديون او التعويضات !!! بعدها بشهر تقريبا تم تعيين ولد داداه المستشار الرئاسي و محامي الشريك وزيرا للعدل مايو 2015 .
و تؤكد كل المصادر بما فيها التونسي ان الشريك ولد بوعماتو قد استحوذ على كل الممتلكات العائدة للشراكة و ان الجانب التونسي لم يستفد منها نهائيا و أن لجنة التصفية المشكلة قضائيا برئاسة ولد حرمه قد تغاضت تماما عن التطرق للممتلكات المنهوبة من طرف الشريك وهو ما ظهر جليا في الحكم القضائي .

بتاريخ 14 سبتمبر نشرت الأخبار ملفا عن رشاوى مالية قدمها ولد بوعماتو عبر وسطائه لكل من الوزير الأول يحي ولد حدمين مشيرة الي انها مساعدة في تكلفة حملة تجديد الشيوخ و الغريب ان آخر عهد لتجديد الشيوخ كان 24 أكتوبر 2009م ، فهل تجاهل مصدر التسريب أسباب تقديم المبالغ المالية للوزير الأول علما ان الوزير كان في وزارة النقل سنة 2010 و لم يكن هناك تجديد للشيوخ سوى دعوة هيئة الناخبين 2011 و 2014 و لم تتم فيهما اي انتخابات .
ما يحاول مصدر الأخبار التستر عليه لم يكن سوى رشوة واضحة المعالم في عملية تصفية الشركة “الموريتانية للطيران ” و تؤكد كل القرائن أنها هي موضوع مبلغ الرياضة الذي اصبح من اليوم في الشارع الموريتاني مادة للتهكم و ارتبطت كل دعوة للخروج للرياضة برشوة الوزير الأول بثلاثين مليون أوقية . و ان كل المبالغ التي قدمت لشركاء و اطراف من أجل التغاضي عن ما نهبه ولد بوعماتو من ممتلكات الشراكة و اخراجه من ملفات القضاء المتعلق بالأحكام التي ستصدر في 2015 لتحمل الشركة التونسية وحدها تبعات الافلاس و التعويض .
القضاء الموريتاني الذي يجب أن يكون الناظر في قضية الرشوة هو جزء منها و غارق فيها حد الودجين فوزيره هو محامي الرجل المتهم الأول بتقديم الرشوة و المتهم باستلامها هو الوزير الأول نفسه و رأس الحكومة التي ينتمي إليها وزير العدل و هو ذاته المتهم ان يكون ضمن حدود عملية التحايل في التصفية و في الأحكام المتخذة قبل شهر فقط من تعيينه على رأس الوزارة .
من يا ترى سيحرك الملف الجديد ، و الذي لا شك سيطال رؤوسا أخرى من بينها رأس الرئيس نفسه، و مدير بنكه سابقا ،وزير الاقتصاد و التنمية لاحقا و المطرود من عطف سيده عقب ذلك و شخصيات أخرى عديدة ضمن ملف عجنه و خبزه ولد بعماتو منذ دعمه لانقلاب 2008 و ترشيح صديقه و خصمه الرئيس الحالي فيما بعد .
فمن يجرؤ؟!!
أن يمر مر الرياضة بالعدالة ؟

شاهد أيضاً

حول لجنة “اقتراح” النشيد الوطنـي وسؤال رمزية الشيخ بابه

    قبل 11 عاما و10 أشهر على وجه الدقـة والتحديـد، استهل مقالـي الأسبوعـي المنشور …