صورة من مؤتمر سابق لتواصل

المؤتمر الثالث لتواصل: بين سعي لتكريس قدم الحزب وتجديد في القيادة

أكيد ـ نواكشوط

ينعقد المؤتمر الثالث لحزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل) أيام 22 ـ 23 ـ 24 ـ ديسمبر 2017، وينتظر أن يفضي إلى نتائج مهمة منها تغيير رئاسته بعد انقضاء مأموريتي الرئيس محمد جميل ولد منصور الذي قاد الحزب لمدة عقد، وهو عقد ولادة الحزب الذي زامن تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية مهمة عرفتها موريتانيا.

أكيد يحاول تقريب الصورة عن الحزب ومؤتمره الثالث من خلال هذا الملف للإطلاع على خلفية الحزب، ومساره، وأهم الانشغالات للمؤتمر المنعقد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يعتبر حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل) من بين أبرز لأحزاب السياسية في المشهد الموريتاني في العشرية الأخيرة نظرا لما يرمز له الحزب من جهة وما يمتلك من كوادر وأطر موريتانيين من جهة أخرى، ومن ناحية ثانية التأثير الذي يقوم في الفعل السياسي الوطني حيث يمثل الحزب بأكثر من “500 مستشار بلدي ، و15 نائبا برلمانيا وإدارة بلديات فى نواكشوط والداخل“.

مرجعية الحزب:

يصنف حزب تواصل على أنه يمثل تيار الإسلام السياسي متأثرا بالحركة الإسلامية في العالم العربي وبالأساس حركة “الإخوان المسلمون” في مصر وغيرها من التيارات الفكرية السياسية ذات النزعة الإسلامية.

وقد تأسس خطاب الحركة الإسلامية في موريتانيا على مواجهة العلمانية والتغريب وإحياء النموذج الديني الإسلامي.

تعود بدايات تشكل هذا التيار إلى سبعينيات القرن الماضي، وتحديدا ظهرت بواكير تحركاتهم السياسية في إطار ما عرف بـ “مؤتمر التوضيح” 1976 لحزب الشعب (الحزب الوحيد وقتها) والذي أبدى فيه عدد من منتسبي الحزب من أهل “بسم الله الرحمن الرحيم” (تطلق على من كان يفتتح حديثه بالبسلمة) عن تخوفهم من انتشار الشيوعية والتغريب (في ذلك الوقت كانت الحركة الديمقراطية الوطنية قد طبعت مع نظام المختار ولد داداه).

محمد المختار كاكيه

ويعتقد أنه في تلك الحدود انتظمت الحركة الإسلامية في إطار سري وأصبح لها أمير، ومجلس سري عرف بمجلس الحل والعقد.

ويعتقد أن من أبرز رموز هذا التيار المؤسسين محمد ولد سيدى الملقب اطليل ومحمد عبد الله ولد حمتي ومحمد المختار كاكيه..

في العهد العسكري تأرجحت علاقة الاسلاميين بالعسكر بين مواجهة دستور المرحوم سيد أحمد ولد ابنيجاره الذي اعتبروه خطرا بوصفه دستورا علمانيا، وبين الانسجام والمؤازرة في ظل حكم الرئيس محمد خونه ولد هيداله رغم أنهم لم يكونوا في السلطة وإنما اقتصر الأمر على التأثير الروحي للمرحوم الشيخ بداه ولد البوصيري والشيخ محمد المختار كاكيه وغيرهم..

أما مع عودة التعددية الحزبية فقد حاول الإسلاميون التقدم للمعترك السياسي من خلال حزب يمثلهم، لكن مشروع حزب الأمة لم ير النور،فقد رفضت داخلية ولد الطائع الترخيص للحزب الذي كان مبرمجا أن يكون على رأسه الشيخ محمد ولد سيد يحي والمرحوم الشيخ عبد العزيز سي.

وشكل هذا الرفض إيذانا بانشطار في الرؤية لدى الإسلاميين، ففي حين عمد بعض رموزهم إلى الركون إلى نظام ولد الطائع (أبو بكر ولد أحمد ومحمد فاضل ولد محمد الأمين ويعتقد أنهما أميران سابقان للحركة السرية استوزرهما ولد الطائع بشكل متفاوت) فضل آخرون نهج مقارعة النظام خصوصا مع الشيخ محمد الامين ولد الحسن وآخرين، وهو ما أدى بالنظام إلى فتح حرب شاملة على الإسلاميين أغلق فيها العديد من المؤسسات الثقافية والدعوية والاجتماعية التابعة لهم مقدما دعوى أنهم كانوا بصدد الإعداد لتنظيم عسكري سري “حاسم”.

وبذلك فتح صراع مرير امتد لأكثر من عقد اضطر فيها عدد من نشطاء التيار الإسلامي إلى العمل من داخل أحزاب مرخصة مثل محمد جميل منصور الرئيس الحالي لحزب تواصل المنصرف.

وجد الإسلاميون ضالتهم في التعبئة ضد نظام ولد الطائع عندما أقام علاقات دبلوماسية مع الصهاينة، وقد أفتى علماء التيار الإسلامي بحرمة تلك العلاقات، وهو ما أثار سخط النظام مجددا فقرر مضايقتهم ومطاردتهم، فتم تجريد عمدة عرفات “الإسلامي” محمد جميل منصور من منصبه في اجتماع لمجلس الوزراء وإصدار مذكرة توقيف قي حقه رفقة عدد آخرين من إخوانه، وسجن الشيخ محمد الحسن الددو وعلماء آخرين.

مسار الحزب:

تم الترخيص للحزب في الثالث من أغسطس 2007 بعد سنتين بالضبط من سقوط نظام ولد الطائع أكثر الأنظمة التي واجه الإسلاميون قمعها..

ومنذ ذلك الحين كسب الحزب اعتراف الجميع كلاعب سياسي أساسي حيث كان الحزب قد اختار ـ وهو تحت مسمى الإصلاحيين الوسطيين قبل الترخيص له ـ الانتماء لائتلاف قوى التغيير وقتها والمتشكل من قوى عريقة في معارضة نظام ولد الطائع، لكن هذا الائتلاف لم يتفق على مرشح رئاسي موحد وهو ما أدى  بالاصلاحيين الوسطيين وقتها إلى دعم المرشح صالح ولد حنن.

وبحكم موقعه أصبح الحزب الوليد ينشط في صفوف المعارضة وشريكا في مؤسسة المعارضة الديمقراطية، لكنه سرعان ما غير وضعيته في بحر 2008 ودخل حكومة يحي ولد أحمد الواقف بعد توجه الرئيس سيد محمد ولد الشيخ عبد الله إلى تشكيل حكومة ائتلافية مع المعارضة.

لم تعمر تلك الحكومة سوى أشهر قليلة والتي مثل فيها الحزب محمد محمود ولد سيدي ـ أحد المرشحين المحتملين في المؤتمر الحالي لخلافة الرئيس جميل منصور.

بعيد انقلاب 6 أغشت 2008 انتقل حزب تواصل إلى صفوف المعارضة مجددا في إطار جبهة الدفاع عن الديمقراطية التي واجهت انقلاب الجنرال محمد ولد عبد العزيز.

لاحقا، وبعد اتفاق دكار 2009 الذي أفضى إلى تنظيم انتخابات رئاسية شارك حزب تواصل فيها مرشِّحا رئيسه محمد جميل منصور وحصل على نسبة أقل من 5% لم تعتبر سيئة بالنسبة لحزب ناشئ.

خلال نهاية 2009 وحتى نهاية 2011 مكث حزب تواصل في خندق جديد اختطه لنفسه وهو ما أطلق عليه وقتها “المعارضة الناصحة” وهي حالة تعبر عن تربص وانتظار أكثر مما تعد موقفا نهائيا، وهو ما حدث فعلا، فقد خرج الحزب من شرنقته تلك لينتمي إلى ما عرف بمنسيقة أحزاب المعارضة التي دعت في مارس 2012 إلى رحيل الرئيس ولد عبد العزيز أسوة بالربيع العربي.

اتضح أن تواصل يعد رأس الحربة السياسية للمعارضة والتي تجابهه، فقرر النظام خصوصا بعد أحداث المصحف (مارس 2013) تسديد ضربات موجعة للإسلاميين، فتقرر إغلاق أنشطة بعض المنظمات الثقافية التي تتبع للتيار، وتم “تجفيف عدد كبير من منابع التمويل” في رسائل خفية وجهها له النظام الحاكم.

شكلت مشاركة حزب تواصل في الانتخابات البلدية والنيابية منفردا من بين أحزاب المنسقية  في أواخر سنة 2013 تصدعا في نظرة الرأي العام لحزب تواصل، فقد كان ينظر للحزب بنوع من المثالية، لكنه أثبت بتلك المشاركة واقعية وبراغماتية أثارت منتقديه كثيرا، وأفقدته كثيرا من صداه المتردد.

لاحقا في سنة 2014 انتمى تواصل لمنتدى الديمقراطية والوحدة المعارض المتشكل من أحزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني وهو الإطار الحالي الذي لا تزال أغلب قوى المعارضة تنشط من خلاله.

انشغالات المؤتمر

من سيخلف الرئيس جميل؟

محمد جميل منصور رئيس حزب تواصل

أول ما يشغل الرأي العام حول المؤتمر الثالث لحزب تواصل هو مسألة خلافة الرئيس محمد جميل ولد منصور، ففي الواقع يسعى الحزب من خلال شعاره في هذا المؤتمر “شركاء في تكريس التناوب” إلى توجيه رسالتين: الأولى أنه حزب ديمقراطي يسهم في تأسيس للعملية الديمقراطية عبر التناوب على القيادة، والأخرى رسالة إلى النظام الموريتاني ليعبر له عن تمسكه بخيار التناوب الديمقراطي.

وفي الواقع فإن الرئيس محمد جميل منصور بثقافته الواسعة وملكاته القوية في التواصل مع الجماهير والنخب سيترك غيابه عن قيادة تواصل فراغا كبيرا، فقد قاد الحزب خلال مرحلة خطيرة تميزت بتقلبات سياسية كبيرة وتحولات مهمة داخليا وفي المحيط العربي، وكان أداؤه خلال وجوده بالبرلمان متفردا، لكنه في المقابل سيغادر وسط تعمق خلافات بين قادة الحزب على عدة مسائل جوهرية وفي ظل مغادرة بعض من رموز الحزب مثل رجل الأعمال ولد السييدي والمختار ولد محمد موسى وغيرهم..

ويعتمد نظام الحزب في اختيار الرئيس على مرحلتين: الأولى الترشيح، حيث يُرشَّح المتقدم إلى قيادة الحزب ممن يحق لهم ذلك، والثانية تصويت المؤتمرين عليه.

النائب محمد محمود سيدي

وتصل الشخصيات المتداولة على انها خلف للرئيس جميل إلى ما يناهز عشرة، إلا أن أكيد وبعد تحريات يحصر التنافس بين ثلاثة أسماء بارزة:

محمد محمود ولد سييدي: نائب برلماني، من علماء تواصل، مزواج (لا يتعلق الأمر هنا بإثارة جانب شخصي من حياة الرجل بقدر ما نشير إلى اتساع علاقاته الاجتماعية)، شغل منصب وزير التعليم العالي في حكومة سيد محمد ولد الشيخ عبد الله، يعتقد أنه أحد مهندسي الإعلام للتيار الإسلامي في موريتانيا، وينتمي إلى ولاية لعصابة. نعتقد انه الخيار الأول للتواصليين.

الشيخاني ولد بيبه: مسؤول الشؤون السياسية بالحزب، درج في أحضان الحركة الإسلامية، عمدة دار النعيم السابق، أبرز كفاءة إدارية وشخصية قوية، يتميز بصعوبة المراس. نعتقد أنه ثاني الخيارات للتواصليين.

3 ـ محمد غلام ولد الحاج الشيخ: رغم إعلانه عن اعتذاره عن التقدم للقيادة إلا أنه يعتقد أن تلك مناورة سياسية وأنه قد يكون الخيار الثالث للحزب.

يعتبر محمد غلام من الاتجاه الدعوي في الحزب، ينحدر من المناطق الشرقية، نائب حالي في البرلمان، له علاقات واسعة بالحركة العالمية للإخوان المسلمين.

الشيخاني ولد بيبه مسؤول الشؤون السياسية بتواصل

أما بقية الأسماء المطروحة فهي :

ـ أحمدو ولد امباله لكننا استبعدناه لكونه يرأس اللجنة التحضيرية للمؤتمر، وفي الأدبيات السياسية فإن من يشغل ذلك المنصب لا يتقدم للقيادة.

ـ اكناته ولد النقره: عمدة دار النعيم، لكن من الصعب تصور تقدمه على منافسين من عيار الثلاثة الكبار المتقدمين.

كناته ولد النقره عمدة دار النعيم تواصل

ـ الحسن ولد محمد: زعيم مؤسسة المعارضة الديمقراطية، لكننا استبعدناه لبعده عن مراكز ثقل الحزب السياسية (الداخلية والخارجية).

أحمدو ولد امباله رئيس اللجنة التحضيرية لمؤتمرتواصل الثالث

فصل السياسي عن الدعوي؟

سيتدارس المؤتمر كيفية فصل الجانب السياسي في الحزب عن الجانب الدعوي، ولعل استقدام د عبد الفتاح مورو زعيم النهضة التونسية ليس لأغراض بروتوكولية فحسب، فالرجل مفيد في الاستشارة والتبصير في هذا المجال.

وسيستفيد الحزب من هذه الناحية في عدم لي ذراعه مستقبلا بواسطة تلك الهيئات والتوابع التي تؤدي أغراضا دعوية وثقافية واجتماعية وحتى اقتصادية، وقد ظهرت بوادر هذا الطلاق بين الجانبين في الانتقادات الشهيرة التي وجهها الرئيس جميل للشيخ محمد الحسن الددو في تسجيلات مسربة في 2013.

الانتخابات في 2019؟

سيصاغ موقف الحزب من انتخابات 2019 الرئاسية المرتقبة في موريتانيا، وهو موقف سوف لن يبتعد كثيرا عن رؤية منتدى الديمقراطية والوحدة المعارض التي تتلخص في أن تلك الانتخابات ستكون فرصة للتناوب السلمي على السلطة، وبالتالي فالتفاهم على مرشح موحد سيشكل ضمانة للفوز برهان التناوب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مؤتمر تواصل الثالث يحمل أكثر من رسالة للداخل والخارج خصوصا في ظل حرص إسلاميي موريتانيا على استضافة رموز التيار الإخواني العالمي، ويحمل رسائل للمعارضة والموالاة حول نهج التناوب.

يحاول التواصليون شق طريقهم في المجال السياسي الموريتاني ليس بقفزات جبارة، ولكن بخطى متئدة.

فإلى أي حد سينجحون في ذلك؟

 

شاهد أيضاً

فتح الجزارة أمام المنافسة الخصوصية

أكيد ـ نواكشوط درس مجلس الوزراء اليوم على مشروع قانون يسمح للخصوصيين بدخول المنافسة مع القطاع …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *