تصوير: أكيد

تزويرُ الأدوية: الموت في علبة “دواء”

أكيد-نواكشوط

أحمد أبيه

“الأدوية ليست منتجا عاديا، ومن الواجب إحاطتها بمبادئ أكثر أخلاقية من غيرها من المنتجات” ( فردريك هدلاند)

شهدت موريتانيا في العشرين سنة الماضية انتشارا كبيرا لشركات توزيع الأدوية حيث بلغت تقريبا أكثر من ستين شركة مرخصة من طرف السلطات الرسمية، بالإضافة لشركات عبارة عن حقائب يدوية تستورد هي الأخرى الأدوية لكن بطريقتها الخاصة. انتشار الشركات جاء بعد اكتساح العيادات الطبية والصيدليات والمستودعات الصيدلية لعموم التراب الوطني وبطريقة فوضوية بعد اكتشاف التجار للأرباح الطائلة التي يمكن الحصول عليها من هذا القطاع الحيوي الخارج عن دائرة الرقابة إذا كان المستثمر يُسند ظهره على أحد رجالات الدولة أو مستعدا لدفع نسبة بسيطة من أرباحه الهائلة لبعض المسؤولين المتنفذين.

فساد قطاع الأدوية له ثلاثة أوجه أولها يتعلق بالمستورد وثانيها يتعلق بسياسة الرقابة من طرف المؤسسات الحكومية وثالثها يتعلق بالأطباء ومندوبي المختبرات الطبية.

مستورد محتكر وآخر قاتل

تختلف سياسة المستوردين حسب الموقع السياسي والاجتماعي للمستورد، فبعضهم يقوم بجمع ثروات كبيرة من هذا القطاع عن طريق الاحتكار وزيادة الأسعار وهم دائما مجموعة من المستوردين المعترف بهم قانونيا، ولا تربطهم علاقات قوية بمراكز القوة في الأنظمة الموريتاينة ويمارسون سياستهم الاحتكارية تلك مقابل دفع مبالغ مالية كبيرة لأفراد في القطاعات المشرفة على عملهم.

أما الصنف الآخر فهو إما مستورد معترف به يتمتع بحصانة قوية عن طريق صلته بأحد مراكز القوة في مفاصل الدولة الموريتانية أو مستورد غير معترف به يقوم بعمله في الخفاء.

يتميز الصنف الثاني على الصنف الأول بقدرته على إضافة بيع الأدوية المزورة والمنتهية الصلاحية إلى سياسة الاحتكار دون أدنى شعور بالخوف من العقاب.

في الفترة الأخيرة اتخذت الدولة الموريتانية قرارا يسمح لـمركزية شراء الأدوية الأساسية والأدوات والمستلزمات الطبية (CAMEC) باحتكار استيراد المضادات الحيوية وأدوية الضغط والسكري، وهو ما تسبب في انعدام تلك الأدوية بالسوق، وشجع وأنعش بضاعة تجار السوق السوداء التي يتم استيرادها عادة عن طريق التهريب في ظروف بعيدة كل البعد من ضوابط حفظ الأدوية، أو بصفقة زبونية مع CAMEC  التي تتولى الاستيراد ظاهريا عن المستورد الحقيقي الذي يأتي بتلك الأدوية من مصانع مافيوية في الخارج غير ملتزمة  بمعايير الصحة العالمية.

حكايات المواطنين حول هذا الموضوع في الجلسات العفوية تكشف عن حقائق مرة أقرب إلى الخيال، فبعضهم يحكي عن معرفته بشخص مقرب منه كان يمتلك مكتبا لاستيراد الطماطم من البرازيل وصار الآن يمتلك شركة لاستيراد الأدوية من مصادر مجهولة ويبيع أغلبها في الولايات الداخلية خصوصا الأدوية التي هي عبارة عن تركيبة من علف الحيوانات. يضيف أحدهم ساخرا: “هذه لا تقتل ولا تشفي وعلى كل حال أدوية العلف هذه أفضل بكثير من الأدوية التي يستوردها ابن عمي فلان في حقائب المسافرين وسيارات المهربين ويطلب منا الاجتماع عنده لترتيبها وتنظيفها ووضعها في العلب قبل الذهاب بها إلى السوق.”

أدوية مهربة من المخيمات الصحراوية

رقابة صورية وشهادات للبيع

في كل قطاعات الدولة الموريتانية هناك دائما ترسانة قانونية دقيقة وضعت بنفس الدقة التي عليها الأصل المستنسخ منه في القطاع المشابه بجمهورية المستعمر الفرنسي سابقاً أو إحدى دول الجوار. بالإضافة إلى تشكيل هيئات مسؤولة عن متابعة تنفيذ تلك القوانين، لكن المساحة المسموح بها في موريتانيا لعمل كل هيئة مكلفة برقابة واحترام القانون المنظم لقطاعها تبقى محصورة في زاوية ضيقة لا يتمتع أصحابها بالنفوذ القبلي أو العسكري أو المالي وهي حالات نادرة جدا.

المختبر الوطني لمراقبة جودة الأدوية وإدارة الصيدلة والمختبرات الطبية يتحملان كامل المسؤولية عن الانتشار المفزع للأدوية المزورة التي تقتل المواطنين يوميا. وإن كانت إدارة الصيدلة قد قامت قبل سنتين بفرض شروط على بعض الصيدليات والمستودعات الصيدلية التي نجت من تلك القرارات بعد تدخل وزير الصحة آنذاك أحمد ولد جلفون، ولا فرق بينها الآن والصيدليات إذ لم تعد الأدوية التي تبيعها محدودة في عينات خاصة كما ينص القانون. كما أن شروط قطاع الصيدلة ركزت فقط على مظهر الصيدليات والمستودعات الصيدلية في خطوة قال البعض أنها مجرد فرصة ممنوحة لأحد التجار المقربين من الرئيس لبيع كميات كبيرة من الألمنيوم بالإضافة إلى قرار توحيد أسعار بعض الأدوية أظهر زيادات كبيرة في أسعار بعض الأدوية خاصة أدوية الأمراض المزمنة مع أن قرار توحيد الأسعار غير ملزم لبعض الصيدليات.

في هذا الصدد يقول البيولوجي سيدي محمد ولد حمّ في حديث مع موقع أكيد : ” المختبر الوطني لمراقبة جودة الأدوية بعيد كل البعد عن النشاط والفاعلية الميدانية التي نحتاجها كثيرا لمراقبة الأدوية حتى لو افترضنا أنها أدوية غير مزورة ـ وهي حالة افتراضية فقط ـ ومستوردة من أكبر الشركات العالمية لكنها تنقل وتحفظ في ظروف لا تراعي الضوابط المنصوص عليها في الورقة المرفقة مع كل علبة دواء. كما يجب أن تكون هناك رقابة عشوائية ورقابة منتظمة، كما تظل مشكلة التهريب من الدول المجاورة وفي ظروف قد لاتكون مناسبة و من طرف التجار و غض الطرف من قبل السلطات المعنية خصوصا الجمارك لأنها تدخل عن طريق المطار و الموانئ بتنسيق مع بعض رجالات الشرطة و الجمارك و الدرك “.

من جانب آخر يقول السيد محمد المختار وهو عامل في إحدى الصيدليات بالعاصمة نواكشوط في تصريح لموقع أكيد “لن تكون هناك سياسة جادة لتنظيم هذا القطاع ما دامت الصيدليات والمستودعات تشتري أدوية مجهولة المصدر من أشخاص يحملونها في حقائب يدوية دون أدنى محاسبة للطرفين”، مضيفاً أن الصيدليات و المستودعات “إما أن تكون عبارة عن محلات بيع بالتجزئة تابعة لبعض شركات توزيع الأدوية التي تتولى حمايتها بطرق ملتوية أو عبارة عن محلات تجارية لرجال أعمال لا علاقة لهم بالمجال لكنهم يمتلكون علاقات واسعة هي التي اعتمدوا عليها للمغامرة بدخول هذا القطاع الفوضوي”، مشيرا إلى أن “قلة قليلة من  خريجي قسم الصيدلة تمتلك صيدليات وتسيرها بنفسها والبقية تبرم صفقات بشهاداتها مع بعض الشركات أو رجال الأعمال للحصول على تراخيص باسمها دون اكتراث بكيفية عمل وتسير تلك الصيدليات التي يسيرها أحيانا كثيرة أشخاص مستواهم التعليمي معدوم” حسب تعبيره. أما رخص المستودعات الصيدلية فيقول محمد المختار أن “الحصول عليها بسيط جدا لأنها أحيانا تباع في بورصة بيع السيارات” ويضيف ساخراً “.. وقريبا ستكون متوفرة في سوق الحيوانات بحي تنويش “.

أما وزارة الصحة فقد نفت في بيان صادر عنها وجود أدوية مزورة في البلاد وقالت إنها تقوم بحملات ضد تسويق الأدوية وتخزينها خارج الأماكن المخصصة لذلك والمرخصة من طرف الوزارة.

تصوير: أكيد

وصفات تحت الطلب

تعتبر الوصفة الطبية هي المصدر الأول لبيع الأدوية في موريتانيا حالياً خصوصاً بعد انتشار العيادات الطبية الخاصة وتراجع نسبة استعمال الأدوية بالطرق التقليدية التي تعتمد على التجارب الشخصية والتي بات الاعتماد عليها ينحصر أساساً في المواد الطبية المتعلقة بتجميل النساء.

وراء كل وصفة طبية غالباً خلفية لا يعلمها كثير من الناس، ويمثل يعض الأطباء ومندوبي المختبرات الطبية حتى اللحظة تلك الخلفية بالإضافة ليد خفية ثالية بدأت تدخل على الخط وهي شركات توزيع الأدوية التي أصبحت تمتلك عيادات طبية خاصة وحتما ستنتهز تلك الفرصة إن لم تكن هي الاستراتيجية اصلاً لبيع أدويتها. يمكن لأي شخص ملاحظة العلاقات المشبوهة بين بعض الأطباء ومندوبي المختبرات الطبية  بزيارة أحد المراكز الصحية في العاصمة وخصوصاً زيارة المستشفى الوطني في ساعات المداومة الصباحية الأولى وسيلاحظ عشرات مندوبي المختبرات الطبية يتجولون وسط المستشفى وهم يحملون حقائب مملوءة بالأدوية كهدية للأطباء بعد أن كانت الهدايا تتمثل أساساً في الأقلام والمذكرات والساعات وبعض الآلات الطبية تحمل شعار المختبر الطبي الذي يسعى من خلال تلك الهدايا إلى التذكير بأدويته بطريقة سلسة دون التدخل في خيارات الطبيب ومهنيته عكس الحالة التي تفرضها هدية عُلب الأدوية الثمينة تلك التي يرضخ لضغطها بعض الأطباء. ولكي يتأكد المندوب من فعالية هداياه يذهب إلى بعض الصيدليات المقابلة للمستشفى لمراقبة الوصفات الطبية أو بالحديث مع عمال الصيدليات الذين يلاحظون نجاح خطة المندوب بثبات أدويته في وصفة كل زائر للمستشفى في ذلك اليوم سواء كان يشعر بآلام في الصدر أو حمة نزيفية أو حموضة حادة، إلى غير ذلك.

كما يعلق عمال الصيدليات عادة على نجاح ذلك الاتفاق بــ” دلكَت (…) كيف ش اليوم متحرك”. تجدر الإشارة كذلك إلى أن بعض مندوبي المختبرات الطبية يتعاملون أحياناً مع أشخاص في الصيدليات  يُقدمون الاستشارات الطبية انطلاقا من تجربتهم العملية فقط.

وفي بعض الأحيان يلجأ بعض موردي الأدوية إلى التعامل مع أطباء لكتابة وصفة تتضمن دواء باسم تجاري غير معروف في السوق، ولكنهم يرفعون سعره عن أسعار بقية الأدوية التي تشبهه في التركيبة مستغلين جهل الناس بطبيعته، ويكتب الطبيب حصرا في وصفاته ذلك الدواء تحديدا في مقابل مادي، ويرهق جيب المواطن بسبب هذا التفاهم.

حول هذا الموضوع علق طبيب فضل عدم ذكر اسمه لموقع أكيد بقوله “لا يمكن أن نشكك في مهنية وخبرة الطبيب الموريتاني، لكن إهمال الوزارة للعمل الكبير الذي يقوم به الطبيب وعدم تطبيق الاتفاقيات التي تحمي حقوقه قد يفتح الباب أمام بعض التصرفات غير الجيدة تفرضها ظروف البعض التي لا نهتم بها كثيرا للأسف الشديد لأن الطبيب في نظرنا مجرد آلة فقط، وهو في الحقيقة إنسان يكافح ككل المواطنين على جبهات عدة.”

تصوير: أكيد

شاهد أيضاً

تخرج الدفعة العاشرة من مدرسة الأركان الوطنية

وما أشرف وزير الدفاع الوطني السيد جالو مامادو باتيا، رفقة وزير الداخلية واللامركزية السيد أحمدو …