تصوير: Eliane Cedano Lopes -Pinterest

حياةُ امرأة/سارة محمد

 

لبثتِ في بطن أمك تسعة أشهر ، لازلتِ معزولة عن العالم الخارجي ،لا تعرفين شيء عن وجه أمك وحياتك المنتظرة . جدالٌ خفي عن كونك ذكر أو أنثى ،يفضلون ذكراً يحملُ اسم العائلة الكريمة ، لا يهمك كثيراً فلحظة صراخك مفزعة جداً، ملامحك أكثر وضوحاً ، تحملك الممرضة برفق إلى ذراعي أمك ، تقبلك هي . يعاتب والدك نفسه قليلاً ،فرحٌ مفتعل و أمه تسأله بغضب ..هل هي بنت؟ يهز رأسه بالإيجاب ثم تبارك له كأنه خذلها !

تخرج أمك من المستشفى ، يقام حفلٌ لك .. يحضر معظمهم محملاً بالهدايا و كلمات خفية المعنى لأمك .تتغير الأشياء من حولك ، كنتِ طفلة تحبو .. خطواتك متعثرة تحاولين المشي، سقوطك الأول كان مؤلماً .. ثم أتقنتِ المشي .. الكلام .

أنتِ في السابعة من عمرك ، تحاولين التأقلم مع المدرسة و جدرانها ..تكوين صداقات جديدة ، عالمك لم يعد مقتصراً على بيتكم الصغير . تستكشفين بعفوية .. تسألين ، الأجوبة قد ترضي فضولك لا أكثر . والدك منشغلٌ طوال اليوم بعمله ، أمك المسكينة لها انشغالتها و أنتِ بين هذا و هذا يُقال لكِ بأن لك أخاً في طريقه .

أنتِ في العاشرة من عمرك ، مسؤولة عن نفسك وعن أخيك الأصغر .رغم اختلاف الامتيازات بينكما ، عليك التظاهر باللامبلاة و تقبله ، تعلم الاتكالية بسببك و ستكبر معه حتى يخرج إلى بيت آخر ، عليك التسليم بالحقيقة حتى أجل مسمى .

أنتِ مراهقة ، مشاعرك مضطربة ، أسئلة كثيرة في رأسك ، تسألين صديقة تصعقك بتجاربها الغريبة، بأي عقل تفكر هذه الحمقاء؟! أمك تكتفي بإغلاق باب الحوار بينكما ،لا وقت لنقاش .. إنها مرحلة مؤقتة. تتبدل نظرتك إلى نفسك .. الطرف الآخر، كلمات جديدة تظهر في قاموسك .. الحب .. الزواج !

تمر سنوات أخرى و أنتِ في بحث عقيم عن ذاتك، لستِ وحدك الاستثناء . قصص مهترئة الفصول ، تجارب غيرك تنفرك و أحياناً العكس ، مفارقة بائسة . تواصلين تحصيلك العلمي لأنه في اعتقادك خلاصك الوحيد من كلام مجتمع يزعجك يومياً، لربما كانت متعتك القصوى إثبات عكس ما يظنون !

أنتِ في العشرين من عمرك ،أمك تتقرب منك أكثر .. تتعمد دمجك مع التيار الفكري السائد لمجتمعك، الثورية مرفوضة لأنها تعني النفي التام . قمعك فكرياً مندوبٌ جداً ..هي الطريقة الأنسب ،عليك الالتزام بكل ما يُقال و إن كان يُناقض عقلك! أنتِ محظوظة إذا بقيت صامدة ،عواملٌ خارجية ستظهر لك في الصورة . كل ما يهم الجميع نمط حياة معينة..مبررات مكررة ..أسباب مختلقة بداعي الخوف عليك أو بالأحرى منك !

أنتِ في الخامسة و العشرين ، أكثر نضجاً ظاهرياً ، أقل صداماً و عناداً . التهرب لم يعد يجدي نفعاً و المواجهة بدورها لا تزيدهم إلا استنكاراً لموقفك ، لربما اقترحت عليك إحداهن زيارة مصحة نفسية ، و هي نفسها كانت تشكو لكِ سوء حياتها و الفراغ الذي تعانيه، وهل نعيش لنرضي الآخرين لا أكثر و ننسى ما نريد نحن، ساذجة أخرى ! !

أنتِ في الثلاثين من عمرك ،حسب المقياس الزمني لهم أنتِ في عداد الموتى . كان قبولك لكل شيء مدبراً عن قصد . وجدت نفسك في عالم آخر ، أم زوجك سليطة اللسان ، أخواته كذلك . أما هو لا وجود له ، كذب في كذب ..شخص آخر ! صدمة مؤقتة ، تخليتِ عن كل كل شيء من أجل لا شيء . طفلتك الأولى تحبو و أنتِ منشغلة بتسجيل صوتي لأخت زوجك بحثاً عن جديد القيل و القال ، أنتِ نسخة مطابقة عنهم الآن. طفلك الثاني يسأل عن حل تمرين بسيط ..إجابتك عصبية !

أنتِ في الأربعين من عمرك ، التجاعيد في طريقها . صراخك يعلو ..طلباتك في تزايد !

أنتِ في الخمسين من عمرك ،صارت عبارتك المكررة ..كل ما يهمني الأولاد!

تمر السنوات سريعاً و الموت يتراءى لك ، هل حقاً تستحقين كل هذا، هل حقاً أنصفتِ نفسك ؟!

شاهد أيضاً

كلمات حسانية أصلها فرنسي / محمد فال ولد سيد ميله

كما في كل لغة أو لهجة، كلمات دخيلة تتلقى ترحيب اللغة المضيفة فتقوم بدمجها بسرعة …