حي البونية: المنطقة الانتقالية التي تنكر لها الجميع

أكيد – الطينطان

أحمد ولد أبيه

يعتبر حيّ البونية الواقع في الجنوب الغربي من مدينة الطينطان المنكوبة أوّل نقطةٍ ينتقل إليها ضحايا نكبة الثامن من أغسطس 2007 نظراً لقربها من وسط المدينة المنكوبة، إذ يفصل بينهما فقط معبر السيول التي دمّرت المدينة في ذلك اليوم المفزع بالنسبة لذاكرة الطينطان المبلولة.

تحوّل حي البونية بعد الكارثة بساعات قليلة إلى مركز تجاريّ كبير مفعم بالحيويّة والنشاط، وكأنه القلب النابض في جسم مقاطعةٍ مشلولة بفعل قوة السيول الغاضبة. سرعة استقبال البونية للمنكوبين، و بث روح الحياة في نفوسهم بعد أن خيّم عليها صمتٌ حزين كان بمثابة رسالةٍ أمل وتحد في لحظة من اللّحظات المظلمة و المؤلمة.

استمر النشاط التجاري لمقاطعة الطينطان بحيِّ البونية لمدة سنة تقريباً، وهو ما أنتج كثافة سكانية للحي حتّى أصبح من أكبر أحياء المقاطعة المشتتة بعد تحويل السوق إلى السيف الجديد.

خدمات الحد الأدني

لم يعترض سكان البونية كثيراً على ترحيل السوق إلى السيف الجديد رغم الميزات التي كان مصدرها وجود السوق بالقرب منهم، لكن أياً من السكان لم يكن يظن يوماً أنّ رحيل السوق سيكون بداية لسلسلةٍ من المعاناة لا تقلّ صعوبة عن النكبة التي تعرضت لها المدينة القديمة ونجى منها حيُّ البونية صبيحة الثامن من أغسطس 2007.

مظاهر معاناة سكان حي البونية لا يمكن التستر عليها، فهذا الحي الكبير لا يوجد به من المدراس النظامية إلا مدرسة ابتدائية واحدة لا تغطي حاجة الحيّ، بالإضافة إلى اللاّمبالاة التي تطبع إدارتها وطاقم تدريسها حسب تعبير السكان الذين فضلوا تحويل أبنائهم للمدارس الحرة رغم هشاشة إمكانيّاتهم المادية.

معاناة الحي اليومية لا تتوقف عند فشل التعليم النظامي فقط، بل تشمل أيضاً كل جوانب الحياة في حي سكنيّ لا يوجد به مركز صحي و لا مكتب للشرطة أو الدرك لحفظ الأمن فيه خصوصاً أنه حيُّ شوارعٍ مظلمةٍ نظراً لأن خدمة الكهرباء فيه خصوصية، ولا يسمحُ التجار الذين يقومون بتوزيعها على السكان مقابل مبلغ ثابت يبلغ 5000 أوقية كلّ شهر إلا باستخدامه لانارة مصباح في العريش/البيت والبث التلفزيوني.

تجدر الإشارة إلى أنّ توزيع خدمة الكهرباء داخل الحيّ يتم عن طريق أعمدة قديمة من ” القد و لكواص” مكان الأعمدة المعهودة لذلك. في هذا الصدد يقول يمهلُ ولد سيدن وهو أحد تجار الحي الذين يوفرون خدمة الكهرباء للساكنة: “أنهم لا يعتبرونها نشاطاً تجارياً مربحاً، و إنمّا يقومون به يدخلُ في إطار التكافل الإجتماعي الذي يمليه عليهم الضمير الإنساني لأنه لا يوجد بديلٌ معتمد لتزويد السكان بهذا الحق المشروع و الضروريّ جداً للتمييز بين المدينة والريف”. مُضيفاً: “أنّ توزيع خدمة الكهرباء في الحيّ عن طريق السلطات سيكون بداية لتخطيط الحي”.

وعود الانتخابات استغلال فاضح

اكتشف سكان البونية عشية الانتخابات البلدية و البرلمانية الأخيرة (2013) أنّ هناك مجموعة من أطر المقاطعة على علم بكل مشاكل الحي المُهمش، والتزموا أمام السكان بحلّ كل تلك المشاكل إنْ تم انتخابهم، واليوم تمر أربع سنوات على الانتخابات البلدية والبرلمانية وحالة حيّ البونية تتفاقمُ دون أيّ اهتمامِ من طرف المنتخبين.

تقول فاطمة إحدى سيّدات الحي ساخرةً من تجاهل العُمدة و النوّاب لمعاناة المقاطعة: “كنّا نظن أنهم فارقوا الحياة بعد الانتخابات مباشرة؛ لكن ارتباط العمدة مؤخراً بأخبار فضيحة سونمكس و بث التلفزة الموريتانية لمشاركة نواب المقاطعة في الجلسات البرلمانية وهم في نومٍ عميق، أكدّت لنا أنهم على قيد الحياة والحمد لله”. ثم تضيف زميلتها السالكة بنرة غاضبة ” العمدة مرّ بالحي قبل أيّام رفقة والي الحوض الغربي ووفدٍ من هيئةٍ تابعة للأمم المتحدة لحضور تدشين نقطة للهيئة، ولم يكلف نفسه الإطلاع على معاناتنا التي استغلها في حملته الأخيرة و خذلنا بعد نجاحه “.

معالمٌ بلون طريقها

تشكل الطريق بين حي البونية والسوق الجديد مساراً آخر من المعاناة التي يتجرع السّكان مرارتها و يستنشقون غبارها يومياً، وذلك بسبب رداءتها المزعجة. وتعود فكرة هذه الطريق إلى الأهميّة التي حظيت بها أثناء وجود السوق المركزي في حيّ البونية بعد النكبة مباشرة. فتمركز النشاط التجاريّ للمقاطعة آنذاك في البونيّة استدعى بشكلٍ ملحٍ وسريع إنشاء طريق يربط بين سوق البونية وطريق الأمل على السيف القديم. ولكن شيئاً من ذلك لم يكن، بل إنه وبعد مماطلةٍ متعبة تمّ إنشاء طريقٍ متهالكةٍ تنعدم تدريجياً مع استمرار الحركة.

يقول شيخن ولد دمب، وهو أحد السكان الذين يقطنون على قارعة هذا الطريق المتهالك: “لقد شكونا إلى حاكم المقاطعة عدّة مرات من حال هذا الطريق، وقد استجاب في المرة الأخيرة، لكن استجابته تمثلّت فقط في إحضار أحد صهاريج المياه لتثبيت غبار الطريق بالماء لمدة قصيرة. والحال الآن كماترى لازال سيئاً جداً حيث أنّ هذا الطريق قد لوّن بغباره الأحمر الخطير منازلنا وكدّر من صفو حياتنا حين ملأها بالاختناق والربو المزمن”.

لقد شكّل الطريق لحياة السّكان المجاورون له كابوساً حقيقياً، سيطر على مشاهد ويوميات حياتهم من شخوصٍ وأمكنةٍ وأزمنة لدرجة أنّه أفقد الصباح بزوغه البريء حين حوّله لخيوط غبار مُسمّمة، والحالُ نفسه مع الغروب، فهي أوقات من النهار فقدت تمايزها وتشابهت بشكلٍ مفزعٍ، حتّى انهكت حياة السكّان برتابة زمنٍ مُمّل.

تتضاربُ حكايات السكان حول هذا الطريق، فمنهم من يقول أنّ الشركة الوطنية لصيانة الطرق “ENER” استحوذت على تمويل الطريق بالتنسيق مع الإدارة المحليّة، ولم تنجز طريقاً بمعاييرٍ حديثة، كما كان ينتظر منها. ومنهم من يقول أنّ إنشاء هذا الطريق لم يكن إلاّ حلاّ مؤقتاً وبشكلٍ بسيط، لكنهم يستغربون من تجاهل المعاناة التي تسبّب فيها بعد سنوات من إنشائه.

 

شاهد أيضاً

تقاعد الجنرال ولد الغزواني نهاية 2017

أكيد ـ نواكشوط علمت أكيد من مصادر مطلعة بنبإ تقاعد قائد الجيوش الموريتاني الفريق محمد …