شعار أكيد

دبلوماسية اللحظة أو دبلوماسية الفرصة!/ افتتاحية

أعادت خطوة قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر إلى الواجهة الحديثَ عن السياسة الدبلوماسية الموريتانية؛ فالخطوة التي فاجأت الرأي العام الموريتاني الذي لم يدرك أبعاد الخطوة ولا مراميَها، وربما تكون فاجأت العاملين حتى في الأروقة الدبلوماسية!

هل قطع العلاقات مع قطر تكفير عن قطع العلاقات مع إسرائيل خصوصا أنه أعلن من الدوحة؟
أم أن النظام ينتهج قاعدة: “لا صديق دائم في السياسية ولا عدو دائم“؟
هل هناك استراتيجية دبلوماسية تعتمدها الدولة الموريتانية أم أن الأمر يعتمد على تقلب الأنظمة الحاكمة وأمزجتها؟
هل للدبلوماسية الموريتانية ملامح محددة أم أنها تبدل الأقنعة دون أن يكون لها وجه محدد؟
للإجابة على هذه الأسئلة يجدر أن نتذكر طبيعة الأنظمة التي حكمت موريتانيا منذ استقلالها والظروف التي مرت بها الدولة الموريتانية، فقد كان النظام الأول الذي حكمها وريث إدارة استعمارية رأى في ضرورة صون الاستقلال في وجه مطامع دول الجوار الإقليمي ومطالب الانفصال، فانتهج سياسة دبلوماسية مرنة حققت أهدافه تقريبا، وحددت المجالين الإفريقي والعربي كمجالات هوياتية برغم صدود الدول العربية التي لم تقتنع بميلاد الدولة الموريتانية حتى ترأست موريتانيا منظمة الوحدة الافريقية وأسفرت جهودها في مناصرة القضية الفلسطينية عن إقناع عدد من الدول الافريقية بمقاطعة إسرائيل، والتطبيع مع المغرب.
إلا أن عملية التطبيع مع المغرب كلفت النظام الموريتاني آنذاك إسقاطه بعد اشتراكه في حرب الصحراء في خطأ فادح وقعت فيه الدبلوماسية آنذاك باعتراف الرئيس الراحل ولد داداه.
وقد تعاقبت أنظمة عسكرية على الحكم في موريتانيا ولم تعرف استقرارا في الحكم إلا بعد الاستظلال بالمظلة الديمقراطية لتشريع حكم العقيد ولد الطايع الذي استمر 21 عاما اتهج خلالها سياسة دبلوماسية مضطربة، فبعد أزمة الأحداث مع السنغال، ومساندة العراق في اجتياحه للكويت، بدأ النظام الموريتاني آنذاك يشهد عزلة دولية وإقليمية بعد خروجه من الإيكواس ولعبه دورا في دعم التمرد في كازامانص، وتحالفه مع غامبيا الطرف الأضعف في شبه المنطقة، وفشله في ترقية منظومة المغرب العربي التي ولدت كسيحة في ظل الصراع الجزائري المغربي.
وأمام تلك العزلة قرر ولد الطائع استبدال المظلة الفرنسية بالأمريكية، وأقام علاقات مع إسرائيل في ظل تطبيع عربي معها دون مشاورة مع الدول العربية.
وبعد سقوط ولد الطائع لفتت موريتانيا انتباه العالم بتبادل الكراسي الديمقراطي، غير أن الدبلوماسية الموريتانية لم تنعم بتوظيف هذه المسألة طويلا بعد الانقلاب الفج في 2008 لتعاني من جديد شبه عزلة دولية، وعندها لم يعد من خيار أمام حكام نواكشوط العسكريين سوى اللجوء للحضن الفرنسي مجددا، واستمالة الرأي العام المحلي والعربي بقطع العلاقات مع إسرائيل والذي أعلن من الدوحة العاصمة العربية التي تطمح للعب دور عالمي وليس إقليمي فحسب آنذاك.
استفاد النظام الموريتاني من تلك الخطوة، واستخدمت الدبلوماسية الموريتانية ورقة مكافحة الإرهاب والهجرة السرية لتشريع الوضع الجديد في القصر الموريتاني.
غير أن ما لفت الانتباه في ظل الحكم الجديد هو القدرة على جمع النقائض: العلاقة مع إيران والسعودية، الجزائر والمغرب، السنغال وغامبيا، أمريكا وفنزويلا.. وترأست موريتانيا الاتحاد الافريقي ونظمت في “خيمتها” القمة العربية.. كل تلك الإنجاوات الدبلوماسية أنبأت عن سياسة دبلوماسية رشيدة وحكيمة ظاهريا على الأقل، ولكن ما ذا بعد؟
ما المغزى من الاحتفاظ بعلاقة مبهمة مع إيران في ظل الهرولة الموريتانية إلى السعودية وخياراتها حد الاصطفاف في صراع البيت الخليجي؟
وكيف يفهم أن تطرد نواكشوط دبلوماسيا جزائريا من سفارة الجزائر بنواكشوط، وتبقى السفارة الموريتانية في الرباط بلا سفير؟
ألم تجد موريتانيا مصالحها في أي من الجارين الخصمين؟
وكيف يعقل أن تلعب موريتانيا دورا إقليميا دون الانتماء للإيكواس؟ كيف يفكر ولد عبد العزيز في مد يد العون وإنقاذ صديقه يحي جامي من تدبير ماكي صال الذي يتخذ من الايكواس مطية لضمان مصالح السنغال وإزالة نظام ظل مصدر تهديد لها في بانجول؟ هل كان جادا في منافسة ماكي صال؟ وهل عقاب السنغال على ذلك الدور سيعيد التأثير الموريتاني في غامبيا؟
هل ندم ولد عبد العزيز على تفريطه في العلاقة مع إسرائيل وبالتالي قل حماس الأمريكيين له، والفرنسيين الذين منذ فقدان ساركوزي للسلطة وهم يتعاملون معه بتوجس وحذر، ويريد من خطوة قطع علاقاته مع قطر أن يلوح للقوى العظمى بأنه موجود؟
ألن تُقرَأ الخطوة على أنها لحساب السعودية، ولن تتلقف كما يطمح لها النظام الموريتاني؟
ماذا عن طموح ولد عبد العزيز؟: أيعتقد ان “درع الجزيرة” سيحميه لو فكر في التمسك بالسلطة؟
هل ترضى أمريكا وفرنسا عن مشروع تمسكه بالسلطة لو تمادى في خطوات “دبلوماسية” في هذا الاتجاه؟
ألا يجب أن يفكر حكام موريتانيا في أن الدبلوماسية المؤسسة على مبادئ رصينة ثابتة أولى من دبلوماسية الفرص وانتهاز اللحظات السياسية السانحة؟
أليست الدبلوماسية وسيلة من وسائل التنمية الاقتصادية لبلد فقير مثل موريتانيا، واعتماد خطوات غير مترابطة ولا رصينة قد تؤدي إلى تعريض تنمية البلد إلى خطر؟
لا نملك كما بدأنا سوى أن نختم بطرح الأسئلة في ظل عدم شرح هذا القرار الأخير، ومحاولة الإجابة عن السؤال:
ماذا ستخسر موريتانيا ـ وليس شخصا ولا مؤسسة ـ من قطع أو إقامة علاقة دبلوماسية؟
 

شاهد أيضاً

السفارة الفرنسية في نواكشوط توشح عددا من الكتاب الموريتانيين الفرانكفونيين

وما احتضنت السفارة الفرنسية في نواكشوط الليلة البارحة حفلا تم خلاله توشيح اربعة من الكتاب …