الكاتب: بوزيد الغلي

رواية “طبل الدموع le tambour des larmes “من السرد و تقنياته إلى مجتمع البيضان ورهاناته (1)

 د. بوزيد الغلى

 

ليست رواية le tambour des larmes للكاتب الموريتاني مبارك بيروك Beyrouk نصا سهل التناول والفهم بقدر ما هي نسيج تتداخل فيه الرؤية الفنية و التقنيات السردية مع سردية آلام ” المظلومين” الذين قسا عليهم الزمن، وانتبذتهم قساوة الأعراف و جفاف العواطف مكاناً قصيا مهجرين قسرا باحثين عن المعنى في “زمن اللامعنى”. و لكيلا نستبق باب الكشف عن مصير بطلة الرواية التي تسمح حواراتها و حركتها و طريقة بنائها من طرف الكاتب بوجود أصوات أخرى تدرجها ضمن الرواية الحديثة التي تتجاوز حركة الشخصيات في الفضاء الروائي إلى إبلاء  العناية للأصوات داخلها بما يكسر التقسيم المعروف للشخصيات إلى شخصيات نامية و أخرى مسطحة، وليس يغرب عنا أن قوة النص لا تكمن في مضمونه و تصريحاته و تلميحاته إلى المسكوت عنه le non dit ، بقدر ما تتجسد في التقنيات السردية التي جعلت منه نصا يشدَه القارئ و يشده إليه متشوفا إلى انقلاق الأحداث الدائرة وفق نسق سردي دائري حلزوني عن نهاية ما، سواء أكانت سعيدة أم شقية؛ ذلك أن القارئ لا ينشأ يتوقع أو يتوسم نهاية مستقرة آمنة للبطلة حتى تداهمه الأحداث بما لم يحط به خرصاً و لا تقديرا.

ونظرا لأهمية التقنيات السردية و دورها في تأهل الرواية للفوز بجائزة فرنكفونية مرموقة، سنعمد فيما يأتي إلى تظهير تلك التقنيات التي قد لا يلقي لها بالا كثير من المتلقين الحقيقيين والضمنيين، نظرا لكونها من عمل الكاتب و الناقد لا القارئ الذي لا يعنيه سوى تحصيل متعة القراءة ولذة النص وفق اصطلاح رولان بارت.

تقنيات السرد في ” le tambour des larmes” :

لعل أول ما يشد الانتباه في الرواية هو انبناؤها على طريقة السرد المقلوب حيث يبدأ السرد بما سيكتشف القارئ أن حدث يقع ضمن تسلسل الأحداث في نهاية السرد؛ إنه الحدث الذي انبجست منه الحكاية التي تشكل أصل مادة السرد . تلك الأحداث التي وفق الكاتب في التحكم فيها وفق منطق السرد و تقنياته التي تعتمد الاسترجاع حينا و الاستباق حينا . و نظرا لقوة المطلع أو مقتتح النص الروائي الذي ينبئ عن بناء سردي وفق النمط المقلوب، سنختار منه هذا المقطع للاستدلال و الاستئناس:

« je savais qu’ils ne me retrouveraient plus facilement ,que le noir aveuglerait leurs yeux, que le vent de sable déréglerait leurs sens et effacerait mes pas ( …) je fus tentée de m’arrêter un peu, pour souffler, pour me libérer de mon lourd fardeau »

ليس خافيا أن اعتماد ضمير المتكلم في النص بمجمله يجعل الرؤية السردية رؤية مع vision avec، فالراوي (ريحانة) تحكي ما تعيشه و ما ستعيشه من نكبات تبدأ في الرواية بهذا المشهد الذي يجسده التنصيص أعلاه، و هو مشهد   النأي عن الخيام، و الشعور بإمكانية المطاردة مع الإيقان بعدم جدواها في ظل تضافر بل تواطؤ أو مساعدة الظروف الطبيعية على نجاح مغامرة الهروب بالطبل أو الطنبور، فالليل أستر، و العواصف الرملية تمحو الأثر…

و كما يتيح لنا الاستباق معرفة دوران الأحداث المتتالية سراعا حول الطبل المسلوب بما يمثله من شرف للقبيلة و رمز إعلان حروبها و احتفالاتها، يسمح لنا الاسترجاع الذي يعمد إليه الناص على لسان البطلة ” ريحانة” بمعرفة  أنها سليلة ” أشراف قبيلة أولاد محمود” ؛بل إنها كريمة شقيق شيخ القبيلة الذي آثر مغادرة مضارب قومه بعد تنصيب أخيه شيخا عليها تعبيرا عن عدم رضاه بهذا التتويج؛ و تفاديا للصراع حول الرياسة في مجتمع يحتفي بها أيما احتفاء، و يا حبذا الإمارة ولو على الحجارة كما يقول المثل العربي.

ضميمة إلى ما سبق، يتوكأ الكاتب على عصا الحوار الذي يجعل الأصوات المتعددة داخل الرواية تتحاكى متهامسة (المونولوج أو الحوار الداخلي ) أو متجاهرة أو متبادلة الأفكار و الخواطر (أصوات الأم، العبيد، شيخ القبيلة، إيمراكن، تكات /المحاربون المنسوبون إلى ممارسة أعمال اعتراض سبيل القوافل واختطاف العبيد، الخادم أو الأمة الفارّة الهاربة و أصدقاؤها أو شركاؤها في الأعمال الممنوعة و المنبوذة (الدعارة، القوادة،الغلمان إن صح التعبير عن ظاهرة كوردكن بذلك ..)، أما الوصف، فقد احتل مساحات كبيرة داخل نسيج النص فأضفى عليه جمالية تبهر المتلقي، ولا يقتصر الوصف على الأمكنة المتعددة التي تدور فيها الأحداث، وإنما يتسلل إلى بواطن نفسيات الشخصيات التي عمد الكاتب عبر الاستبطان إلى كشف أحاسيسها وسجلاتها الشخصية و الاجتماعية الخفية .

وتتضايف مع التقنيات السابقة تقنيات أخرى هامة اعتمدها الناصّ، نذكر منها الحذف والوقفة pause و المشهدscène ، فضلا عن التلاشيchute أو النهاية التي جاءت محكمة إحكام تلازم عدم التمكن من الوصول إلى الطفل المفقود (اسمه مرفوض دال على رفض المجتمع للأطفال اللقطاء أو المتخلى عنهم وفق الاصطلاح الحامل لنوع من وهم التصالح مع الظاهرة) مع الإقدام على إحراق الطبل انتقاماً من القبيلة ومن المجتمع.

(يتبع)

شاهد أيضاً

السفارة الفرنسية في نواكشوط توشح عددا من الكتاب الموريتانيين الفرانكفونيين

وما احتضنت السفارة الفرنسية في نواكشوط الليلة البارحة حفلا تم خلاله توشيح اربعة من الكتاب …