أكيد

صالح لو: الكشف عن ملامح الهامش

عالي الدمين

لوحاتٌ متناثرة قيد الاكتمال، أقلام رصاصٍ مختلطة بعناية مربكة، جرائدٌ ومجلاّتٌ فنيّة وكومبيوتر تقليديٍّ كسا الغبار نصفه، علب صباغةٍ غير مُغطّاة، ريشةٌ في وسط ركامٍ من الورق وصورةٌ لسمراء إفريقيّة وبعض الصور الفوتوغرافية الأخرى مُعلّقةً على الحائط، ثمّ كرسيّيْن متجاورين: أشياءٌ من بين أخرى يتكوّن منها مرسمُ الفنان الموريتاني صالح لو.

يسيرُ صالح لو، باحترافيّةٍ واثقةٍ، على خطى فنانين عالمييّن مُعاصرين مثل رسام الواقعية المفرطة الإيرلندي غوتفريد هلنواين، والفنان الألماني جيرجراد ريختر وكذلك ريان هويت، ثم أخيرًا الفنان الجنوب الإفريقي ليونيل سميث. مُشكلًا بذلك أحد أهم روّاد الفن التشكيلي المعاصرين في موريتانيا، ضمن جيل من الفنانين الشباب الساعين إلى إحداث نقلةٍ نوعيّة في حقلٍ فنيّ مايزال يعيش في موريتانيا واقعًا مترديّاً، ويعاني من النقص على مستوياتٍ عديدة، أظهرت أنه ليس مؤهلاً في الظرف الحاضر للمنافسة على الصعيد الخارحي الدوليّ.

صالح لو من مواليد العام 1984 بمقاطعة السبخة في نواكشوط، وهناك تربّى و درس الإبتدائية في مدرستها، حتى نال شهادة ختم الدروس الاعداديّة، ليبدأ في العام 2004 بالتدرب على الفندقة، بأخذ دوراتٍ مكثفةٍ فيها، جعلته يمتهنها لاحقًا بالإضافة لهوايته الفنيّة. اكتشف صالح لو موهبته الفطرية في الرسم في مرحلةٍ عمرية باكرة، حيث كانت الانطلاقة العفوية الأولى في العام 1992 وهو لا يزال طفلاً صغيراً. ثم واصل اكتشاف موهبته الفنيّة، على مرّ السنوات اللاّحقة، بالرّسم من خلال أقلام الرصاص العادية.

مع بدايات الألفيّة الثانيّة كان صالح لو يفكر في السفر إلى إحدى دوّل الجوار، كالسينغال مثلاً، لدراسة الفنّ التشكيليّ الذي لا توجدُ أيُّ مؤسسةٍ تعليميّة متخصصة لتدريسه في موريتانيا. ولكن الظروف الصّعبة التي كان يعيشها في تلك الفترة حالت دون ذهابه للتعلّم في الخارج، خاصةً وأنه ينحدر من وسطٍ اجتماعيّ لا تتوّفر لديه أيُّ إمكانياتٍ ماديّة باستطاعتِها مُساعدته على السفر لدراسة التخصص الذي يريد. غير أن تلك الظروف الصّعبة التي كان يعيشُ حينذاك لم تثنه عن تحقيق غايته المتمثلة أساسًا في دراسة الفن التشكيليّ المعاصر، إذ أنه عوّض بالإنترنت والاشتراك في المجّلات المتخصصة حلمَ السّفر للخارج المُستحيلِ مع ظروفه الخاصّة.

حتى الآن، أنتج صالح لو أربعة معارض فنيّة وتشكيليّة، عُرضت في السنوات الأخيرة التي نمتْ فيها موهبته بشكلٍ ملحوظ. هذه المعارض الفنيّة بدأتْ تظهر  بعد تحوله الأداتي في الرسم من قلم الرصاص إلى الصباغة الزيتية، وهو التحوّل الذي حصل عنده في العام 2010 تحديداً، عندما بدأ في ذلك الوقت يُفّكر في الممارسة الفنية الجادّة، والتي يعلّق عليها قائلاً بأنَّ: “الرسم من قبلُ بقلم الرصاص ما كان إلاّ نوعاً من التجهيز لها. قلم الرصاص هو الأداة الأولى التي تطرحُ تحدي الموهبة الصريح أمام ذات الفنان، ليُثبتَ نفسه بشكل احترافيّ خالص”.

أكيد

كان ذلك التحوّل عنده نوعاً من الدّخول في طورٍ آخر مختلف تمامًا، مارسه باحترافيّة عاليّة جداً لم تلبث جعلته يتبوّأ مكانته الفنية في ساحة الفن التشكيليّ المحلي، الذي يعتبر لو بأنّ “حاله ليس بالجيّد إطلاقًا، وهو للأسف ما يتنامى يوماً بعد يوم بسبب غياب الدّعم من طرف الدولة، وانعدام مؤسساتٍ تعليميّة فنيّة متخصصة فيه، على عكس ما في كلّ دوّل العالم”. على أنّ ذلك التحوّل يبقى ناقصًا، برأي صالح لو، مالم يُصاحبه توسيعٌ واعٍ لمفهوم الممارسة الفنيّة في البلاد، تلك الممارسة التي يرى أنها اختُزلت اختزالاً فجًا في سماتٍ تقليديّة وتسطيحيّة معيّنة كمنارة شنقيط والخيمة وقدح اللبن.

المعارض الفنيّة التي أنجزَ صالح لو حتى اللحظة توزّعت على قضايا أساسيّة تعتبر في السياق المحليّ مشكلاتٍ اجتماعية كبيرة. فبداية من المعرض الفنيّ الأوّل المُشترك له والذي قدّمه في العام 2012، من خلال مهرجان جمعيّة M.ART وكان عن (حرية الفن/ Libre Art) بالإشتراك مع فنانين آخرين كبشير معلوم وآمي ساو وعمر بال..إلخ، أخذ صالح لو يشتغلُ على معارض فنيّة فرديّة، كان الأوّل منها في عام 2013 حول تلامذة المدارس القرآنية الذين يتسولون في شوارع المدينة. أما الثاني فكان عن  “المتجانسين” عام 2014 وهم الأشخاص المنتسبين لأعراقٍ وإثنياتٍ متعددة. هذا في حين كان المعرض الثالث والأخير في العام المنصرم حول الفقر والعبوديّة في موريتانيا، بعد فترة عملٍ ميدانيّ لم تكن بالقصيرة.

أكيد

عبر تلك المعارض الفنيّة يسلطّ صالح لو الضوء على مشكلاتٍ اجتماعيّة في السياق المحلي، كالعنصريّة والفقر والعبودية، سعيًا للاهتمام بها. وفي هذه النقطة تظهر مهمة صالح لو الأساسيّة، كما لو أنها نقل تلك المشكلات الاجتماعيّة من حيز التهميش إلى حيز التناول العموميّ الجديّ تمهيدًا للقضاء عليها. وبرأيه فإن تجسّد تلك المشكلات على أرض الهامش الغريب بشخصيّاته وآلامه على المجتمع، جعلها غير جديرة بالإهتمام والتناول الجديّين.

في سؤالٍ طرحناهُ عليه حول ما يسعى لإيصاله من خلال لوحاته الفنيّة، قال صالح لو: “لقد عشتُ في حي السبخة الفقير حيث الأوضاع المعيشية صعبة وسيئة إلى درجةٍ كبيرة، لهذا فأنا مُلزمٌ بأن لا أخرجُ في تعبيري الفنيّ عن المحيط الذي عشتُ فيه”. معتبرًا أنّ التعبير الفنيّ، في حالته الخاصة، هو بمثابة مواصلة العيش في ذلك المحيط الاجتماعي والشعبي نفسه، وفي الوقت ذاته الانتماء الكليّ إليه. والانتماء لذلك الواقع ههنا، كما يبدو لنا، ليس فقط شرطًا أخلاقيًا، تستدعيهِ أحواله البائسة، بقدر ما هو كذلك شرطًا إبداعيًّا أساسيًّا يمثل مرجعيّة ثريّة لمخيلة الفنان التي تكونت ونمت فيه.

أكيد

غير بعيدٍ من ذلك الانتماء للواقع، يقوم صالح لو في سبيل تجهيز لوحاته باعتماد وسائل عدّة كـ: القراءة عن الموضوع والنزول لالتقاط صور فوتوغرافية حية من المشهد الذي يريد تجسيده فنيًا. حيث أنّ الصوّر في هذه الحالة عنده، هي بمثابةِ معاينةٍ أوليّة ستتدرج حتى تبلغ ذروتها عند انتهاء رسم اللوحة من خلاله كوسيطٍ فنيّ يرى التصوير عبارةً عن إشارةٍ لمركزيّة الواقع في الممارسة الفنيّة.

يرى صالح لو أنه لامناص الآن أمام الفن التشكيلي بموريتانيا من أن تطبعه سمة الواقعيّة بمستوياتٍ متعددة، وذلك من أجل أن يتحسّن وضعه ويمتلك القدرة على تجاوز المُعوقات التي يفرضها الوضع الحاليّ للمجتمع، والتي تحول دون نهوضه. وعند وقت نهضته سيمكن تجسيد فكرة معارض الشوارع، التي ستجعلُ الإقبال على الفن كثيفًا من قبل الأوساط الجماهيرية. يعتقدُ  صالح لو هذا بعد أن جرّب ذات مرة الرسم في الشوارع، بوصفه أوّل تحدٍّ مباشرٍ يُطرح أمام موهبة الفنان التشكيليّ.

أكيد

 

 

شاهد أيضاً

السفارة الفرنسية في نواكشوط توشح عددا من الكتاب الموريتانيين الفرانكفونيين

وما احتضنت السفارة الفرنسية في نواكشوط الليلة البارحة حفلا تم خلاله توشيح اربعة من الكتاب …