الكاتب: بوزيد الغلي

طبل الدموع (2)

د. بوزيد الغلى

يحتل التضمين enchâssement مركزا بارزا في الرواية، إذ يعمد الكاتب بين الفينة والأخرى إلى كسر المنحى الخطي للأحداث، بإيراد قصة أوحكاية على لسان إحدى الشخصيات، دون إخلال بالمنطق السردي الذي يفرض أن يكون التضمين منسجما مع السياق. وينهض مثالا على التضمين ذاك الاستطراد الذي لجأ إليه الكاتب كي يبين وجه الفرق بين موسيقى ” المدح” و”بنجة”[1] دون إخلال بانسياب السرد، كما أن ثمة نماذج أخرى للتضمين نذكر منها تضمين تمثلاتٍ عن ماضي “التكات” وبنية تنظيمهم الحربي الذي يتولى قيادته أحد كبار السن منهم، والحق أن تركيب الكاتب لصورة هؤلاء المحاربين الأشداء الذين لا يفرطون في أعراف حسن ضيافة زائر يحل بمحلتهم، يذكر بصورة الصعاليك في الأدب العربي، فهم يهاجمون القوافل، وقد يخطفون العبيد،لكنهم يتقاسمون غنائمهم مع المعدمين.

وعلاوة على تنويع الخطاب الذي تردد في الرواية بين خطاب مباشر[2] وخطاب منقول أو محمول على لسان أحد الرواة[3]،فإن الكاتب اعتمد السرد بالتوازي، بحيث تتوازى ثم تتقاطع حكايتان شكلتا نواة العمل السردي،تتعلق الأولى بمباركة الأمَة الهاربة وحياتها الماجنة مع زبنائها وأصدقائها، وقصة البطلة “ريحانة” المختفية مع طبلها الذي أخذته من القبيلة نكاية بها، وتنكيلا بسيرة الفقد.أعني التخلي قهرا لا طوعاً عن ابنها “مرفوض” الذي يرفضه مجتمع القبيلة، وخاصة الأم، صوناً لشرف العائلة،وخوفا من نقمة الأب في حال عودته رداً على التفريط في مسؤولية رعاية البنت التي أضحت بفعل فاعل “أماً عازبة” حسب التعبير الحديث المتداول من أجل إحداث نوع من التصالح مع الظاهرة في بعض المغارب.

ورغم تنويع الضمائر في النص طبقا لوظيفتها داخله، فإن المؤلف اعتمد ضمير المتكلم من أجل التبئير(السرد مع)، وغير خاف، أن السرد بضمير “أنا” (Je) مختلف عن السرد بضميري المخاطب (أنت) والغائب (هو)، فما يميز “أنا” عن “أنت” حسب تعبير الناقد خيري دومة أن “أنا” يصدر عنه الكلام ويقع داخله، بينما يتوجه الكلام إلى “أنت” الذي يقع خارج الكلام، فإن هذا لا يقمع وجود واقع الديالوج الإنساني،ولا ينفيه كما يقول بنيفست،ولكي أخرج “أنا” من نفسي، وأقيم علاقة حية مع كائن ما، فأنا بالضرورة ألتقي ب “أنت”،أو أفترضه، فهو الشخص الوحيد المتخيل خارجي “أنا”[4].

لقد سمح السرد بضمير المتكلم للراوي (ريحانة) تقاسم المأساة والدموع والإحساس بالفقد مع المتلقي الذي سيزداد انشداداً إلى حكايتها إذا كان منتميا للثقافة نفسها التي يصدر عنها الراوي، فثمة “سرد مكتنز” بتعبير الناقد أيمن بكر، لا تنكشف خيوطه المترسبة بين طبقات السرد إلا إذا كان الراوي والمؤلف والمتلقي ينتمون إلى ثقافة واحدة.

ومن أجل كشف بنية الرواية، يمكن أن ننظر إليها على ضوء  النموذج  العاملي الذي وضعه “كريماس مستفيدا من إرث بروب في دراسة الوظائف، محاولا الجمع بين التحليل الوظيفي  والتحليل الوصفي على أساس أنهما متكاملان [5]، ويمكن تحليل بنية الرواية من منطلق العوامل الست التي حددها كريماس (المرسل ، المرسل إليه، الذات، الموضوع، المساعد، المعارض)، وهي “تشكل البنية المجردة الأساسية  في كل حكي،بل في كل خطاب “[6] ، والعلاقة بين الذات و الموضوع هي علاقة رغبة (أي علاقة من يرغب (الذات/ريحانة) و المرغوب فيه (الموضوع/ابنها المفقود).وما دام لابد لرغبة الذات من دافع أو محرك يسميه غريماس “المرسل “، فإنه من السائغ اعتبار العامل المرسل في الرواية مجموعة من الحوافز والرغبات تتمحور حول ( الرغبة في تحدي قبيلة أولاد محمود وسرقة طبلهم رمز شرفهم، والرغبة في اكتشاف مكان وجود الابن “المفقود”) ، بينما يمكن تحديد العامل المرسل إليه (رغبة الأم في إخفاء العار الذي ألحقته بها بنتها بحملها الحرام أولا، وبسرقة طبل القبيلة ثانيا، رغبة القبيلة في القبض على الهاربة من أجل استرجاع الطبل المسلوب).

أما العامل المساعد ، فيتمثل في الراعي le berger، الزوج المتعاون Memed،الأمة مباركة، حمّا و ابن أخته عبدو الذي أضحى رهن الاعتقال نتيجة إقدامه على مساعدة ريحانة في رحلة البحث عن ابنها…، بينما العامل المعارض ، يتمثل في شيخ أهل محمود والدرك أو أجهزة أمن الدولة  المتعاون مع القبيلة من أجل استرجاع رمز الشرف و الهيبة الجريحة (الطبل).

(يتبع)

 

 

 

[1] Beyrouk, le tambour des larmes,page 104/

[2]  Exemple de discours narratif direct : elle déclara à ma mère d’un ton savant qui n’admettait aucune réplique : «Cette fille est habitée par de mauvais humeurs, il y en a trop de mauvais sang. Elle est atteinte d’igunidi »le roman, page 86

[3] Exemple de discours narratif transporté : (d’ailleurs, souvent Mbarka l’interpellait : « Hamma ,sors d’ici, laisse ma sœur,  elle n’est pas de ,ton monde, dépravé » le roman, page 143

[4]  خيري دومة، صعود ضمير المخاطب في السرد المصري المعاصر،مجلة بلاغات، العدد الأول، 2009،ص71-72.

[5] حميد لحميداني ، بنية النص السردي ، ص 32.

[6]حميد لحميداني ، بنية النص السردي ، ص 36.

شاهد أيضاً

السفارة الفرنسية في نواكشوط توشح عددا من الكتاب الموريتانيين الفرانكفونيين

وما احتضنت السفارة الفرنسية في نواكشوط الليلة البارحة حفلا تم خلاله توشيح اربعة من الكتاب …