الكاتب: بوزيد الغلي

في التراث اللامادي لقبيلة وادنونية قبيلة أيت مسعود : أصالة التكون و حداثة التحول

د. بوزيد الغلي

بين  يدي هذه الورقة ، أهنئ إدارة مهرجان الواحة و البادية  على حسن اختيار الوسم الخاص للمهرجان ، وأعني بالوسم : العبارة المائزة له : مهرجان الواحة و البادية ، فهما مجمع التراث المادي و اللامادي معا ، وهما موطن القبيلة التي تميزت عن كبار الرحل الذين لا يبرحون البوادي إلا لماما، بكونها قبيلة وسطاً على غرار كثير من قبائل وادنون الهاجعة والمنتجعة بين الواحة و البادية ، ولذلك ،تصنف كثير من المنوغرافيات و الدراسات الاثنوغرافية أيت مسعود ضمن صغار الرحلSemi-Nomades  ،كما سنبين لاحقا .

وعطفا على إرادة الجمع ب تراث البادية والواحة، يمكننا الاستئناس على سبيل المفاضلة بين أهليهما بما ذكره ابن خلدون حيث قال : ” أهل البدو أقرب إلى الشجاعة من أهل الحضر،  السبب في ذلك أن أهل الحضر ألقوا جنوبهم إلى الراحة و الدعة، وانغمسوا في النعيم و الترف … و استناموا إلى الأسوار التي تحوطهم … وأهل البدو لتفردهم و توحشهم في الضواحي ،وبعدهم عن الحامية،وانتباذهم عن الأسوار و الأبواب (…) قد جاءهم البأس ًخلقا، والشجاعة سجية يرجعون إليها متى دعاهم داع”

وبحثا عن أصول تكّون القبيلة، تطالعنا نظريات على رأسها النظرية الانقسامية التي أثلها إميل دوركهايم، وطبقها دارسون غربيون على بعض القبائل بالأطلس الكبير على الرغم مما تعاورها من مقادح و انتقادات تعري مقاصدها  الاستعمارية الهادفة إلى بسط السيطرة، وما يهمنا من تلك النظرية هو تأكيدها على التضامن الآلي و التضامن العضوي بين كل مكونات القبلية التي تتلاحم و تتضامن في مواجهة أية  أخطار أو تحديات خارجية )ا انشطاراً ثم انصهاراً ، و هذا الموضوع، يدركه الدارس لعموم مكونات تكنة ودينامية تحالفاتها الداخلية بين أطرافها ،والخارجية بين اللف و حلفائه ؛ ويعود سؤال التكّون أو التشكل الذي نعنيه في هذه الورقة إلى فانسان منصور مونتاي في دراسته عن قبائل تكنة الموسومة ب : Notes sur les Tekna ، و التي نقلها إلى العربية عام 2013 الباحث المترجم المدقق هيبتنا الحيرش في سفر يحمل  عنوان : تقييدات حول تكنة ، حيث صدر فصلا منه بالسؤال   الآتي : متى تًشكلوا ؟

وسعيا للإجابة عن هذا السؤال ، تناول عبر عرض تاريخي محكم مواجيز هامة عن كافة قبائل تكنة مركزا على ثلاثة عوامل أساسية ساهمت في تشكل هذه القبائل هي :

أ – هجرة القبائل

ب- تنوع الأصول

ج- حتمية جغرافية

إن ذكاء هذا السوسيولوجي الفذ هداه إلى الإجابة الدقيقة عن كل الأسئلة التي تخامرنا وتخامر كل مهتم بتاريخ المكونات البشرية المتساكنة بوادنون ، فقد أجمل سؤال من هم تكنة ؟ ، ومن أين جاؤوا ؟ و أين يوجدون أويستقرون ومجال كل قبيلة في العوامل الثلاثة السابقة ، مبتدئا بالعامل الأهم ،وهو الهجرة ، إذ أن الأصل في الوجود الإنساني على وجه البسيطة منذ آدم عليه السلام ،هو الهجرة والحركة ، وليس الاستقرار و المكوث في مكان واحد، ولذلك ، نجد أن التنوع العرقي و  الاثني في كثير من البلدان عائد أساسا إلى الهجرات التي أثمرت وجود سود و بيض و سمر و خلاسيين في بلد واحد ،بل في منطقة واحدة، وفي هذا السياق، يذكر أن أحد كبار الشعراء ذوو الأصول اللاتينية أجاب عن سؤال من أين أتيت؟، بجواب مفحم : من الباخرة ، أو من البحر ،أي أن أسلافه الأوروبيين قد عمروا أمريكا الجنوبية بعد أن عبروا إليها عبر البحر بعد  الاستكشافات الجغرافية .

وفي نطاق حديثنا عن الهجرة بوصفها عاملا غذى تنوع أصول قبائل تكنة،وقبيلة أيت مسعود على جهة التخصيص ، نعرف أن بعض أصلاء هذه القبيلة اليوم ، ينمون إلى أصول قبلية مختلفة يعود بعضها لقبائل البيضان الأخرى كالعروسيين و الركيبات وغيرهما، غير أن هذا العامل لا ينفي بتاتا وجود أصول مسعودية خالصة ، يشهد لذلك، أن فانسان مونتاي اعتبر أيت مسعود من خلّص تكنة  المنتسبين إلى عثمان بن مندى عامل المرابطين على نول لمطة، إذ ذكرهم ضمن مجموعة ” تكنة الدم “، خلافا لقبائل أخرى أدرجها ضمن تكنة بالاسم ، أي الذين انتسبوا إلى تكنة ،ولم يكونوا منها في الأصل ، فهم تكنة على سبيل التجوز حسب عبارة مترجم كتاب تقييدات حول تكنة ،ص 29.ورصدا لحركية أيت مسعود داخل مجال قبائل تكنة، أحصى مونتاي علاوة على 50 كانون هنا بقصر أيت مسعود ، 30 كانون بمركز تاغجيجت ، و 10 كوانين مع أيت احماد، الأمر الذي يفسر ما عناه بتأثير الهجرات والترحال داخل المجال التكني ، علما بأن الهجرة خارج هذا المجال قد تمت.

على غرار هجرات كثير من قبائل الصحراء شمالا، كما نعرف، وجنوبا توغلا نحو موريتانيا . والواقع ، أن هذه الهجرات التي حدثت خلال حقب ما قبل الاستعمار و بعدها أيضا ، تحتاج إلى دراسات ومنوغرافيات تستثمر الرصيد المتحصل من عمليات الإحصاء و التسجيل التي تمت ٔيام تحديد الهوية مطلع التسعينات، كما أن توسيع شبكة التواصل مع العوائل ذات الأصول المسعودية خارج المجال التكني ، سيفتح آفاقا رحبة لهذا المهرجان ، كي يستجلب مشاركين يجددون أواصر الصلة بين هؤلاء وأولئك.

وبالنظر إلى عامل تشكل القبيلة الثالث : حتمية الجغرافيا ،نجد عند مونتاي تلخيصا رائعا لمجمل التحولات التي أدت إلى ظهور مراكز حضرية قوية على أنقاض أخرى، إذ يفسر بزوغ كليميم كمركز تجاري قوي في القرن الثامن عشر ،” ستتطور تجارته انطلاقا من 1765 م ، تاريخً تأسيس موكادور من طرف السلطان محمد بن عبد الله، الراغب في اجتذاب القوافل الصحراوية إلى الشمال بعيدا عن تكنة ” ، ولقد حكمت الحتمية التاريخية ، إثر هذا التحول، بالتراجع الاقتصادي على نول لمطة و تكاوست ومجمل طرق القوافل العابرة منها وإليها منذ ذلك التاريخ، غير أن الحتمية الجغرافية صعبة على التغيير ، ولقد بقيت هذه المنطقة قائمة رغم تراجع دورها التجاري، وما صمد أمام كل عوامل التغيير هو تراث المنطقة المادي واللامادي ، وفي هذا الصدد ، تتصدر  الأرض وملكيتها أهم جوانب ذلك التراث، و من المفيد، أن أؤكد هنا على أن الوثيقة التالية، تثبت وقوع البيع منذ وقت مبكر زمن التعامل بعملة المرابطين (مائة مثقال سكة علي بن يوسف بن تاشفين (أنظر الوثيقة ).

الوثيقة التي يشير إليها الكاتب/ د. بوزيد الغلي

 

شاهد أيضاً

ملف النيابة 04/2017 ملف من عصر آخر../ اليزيد ولد اليزيد

منذ فترة، يطغى أحد الملفات على وسائل الإعلام في نواكشوط، بل يتجاوز ذلك، “ملف ولد …