صورة الكاتب: محمد فال ولد سيد ميله

كلمات حسانية أصلها فرنسي / محمد فال ولد سيد ميله

كما في كل لغة أو لهجة، كلمات دخيلة تتلقى ترحيب اللغة المضيفة فتقوم بدمجها بسرعة لأسباب مختلفة. وإذا كانت الحسانية عبارة عن مزيج من العربية والبربرية والآزيرية والولفية والبولارية والسونينكية والبمبارية وبعض اللهجات المجهولة أو المنقرضة، فقد استقبلت، بحكم التعايش، مفردات من الفرنسية أصبحت جزءا لا يتجزأ منها: بعضها معروف لا يحتاج الإشارة (مثل الفرنه والفور…) وبعضها غير بديهي لأنه ذاب في “كلام البيظان” بحيث احتفت معالم علاقته بلغته الأم. نعرج في عجالة على ثلاثة أمثلة في انتظار تناول أمثلة أخرى:

1- لنْسَتْ: هي، على العموم، صفيحة رقيقة تدعى الشفرة وتستخدم للحلاقة. و”لنسَتْ” بالذات هي أول شفرة وصلت هذه الأرض عرفت باسم علامتها التجارية: “7 Lame” أي شفرة “لام 7” شأنها في ذلك شأن ماركة 007 لبعض البنطالات القصيرة وماركة سيكو 5 لبعض الساعات. وقد أطلق الناس اسم “لام 7″، بلفظها الفرنسي، مع تحريف بسيط، على كل الشفرات مهما كانت ماركتها.

2- تيْفايْ: التيفايْ هو البائع، المتجول أساسا، أي أنه ليس صاحب حانوت. وقد دخلت هذه اللفظة إلى الحسانية منتصف القرن التاسع عشر مع دخول الشاي الأخضر إلى ما سيعرف بـ”موريتانيا”. كانت الشركات التجارية الفرنسية المتمركزة بسان الويس (اندر) تتعاقد مع وسطاء بيظان لترويج الشاي شمال النهر. ومثل كل الباعة المتجولين، كان هؤلاء، كلما مروا بخيمة أو حي، يصرخون مرددين: Thé vert, Thé vert أي: “الشاي الأخضر، الشاي الأخضر”، كما يفعل اليوم باعة الرصيد (مع اختلاف في الآليات). وكانت عبارة “تي فير” الفرنسية مشهورة لدى شركات الاستيراد بسان الويس تلوكها ألسنة التجار والمستهلكين أنذاك. إذن كان الوسطاء، في بحثهم عن زبناء محتملين داخل “اتراب البيظان”، يرددون: “تي فير، تي فير”. فكان الناس يقولون مثلا: “جاكم تيْ فايْ”، “وينهو التيفايْ”، ثم صنعوا من الكلمة جمعا (التيفايَه).

وأصبحوا يسمون باعة الشاي الأخضر “التيفايه” في محاكاة صياتية للإسم الفرنسي الذي يسمعون. ومع رواج البضاعة، أصبح باعة الشاي يأتون معهم ببعض المواد الخفيفة كالأمشاط والمرايا المدورة والعطور. ومع مرور الوقت أصبح التيفايْ هو كل بائع متجول أيا كانت بضاعته. نذكر أن الشاي في بدايات دخوله كان خكرا على الطبقة الأرستقراطية وكبار التجار والوجهاء. وذكر الباحث الفرنسي ألبير لوريش أنه راج في البلاد ما بين 1858 و1875. وأكد المؤرخ العلامة المختار ولد حامدن أن رجلا من بطن أولاد البكّار (قبيلة أولاد بسبع) يدعى عبد المعطي كان أول من استورد مادة الشاي وكان يوزعها في هذه الربوع حوالي 1875.

وقد أثار دخول الشاي جدلا واسعا بين الفقهاء الموريتانيين فمنهم من حرم استعماله ومنهم من أجازه، فانتشرت عشرات الفتاوي المتعارضة في شأن هذه “النازلة الفقهية العجيبة”.

3- امبسكيت سرغلّه: لا علاقة إطلاقا لهذه البسكويت بالسونينكي (سرغلّه) فأصل الكلمة: Biscuit cerclé أي البسكويت المدوّر لأن هذه المادة كانت على شكل دائرة صغيرة، وكان الفرنسيون يطلقون عليها الـ Biscuit serclé فأخذها البيظان بنفس اللفظ مع قليل من التحريف. مفردات أخرى من الحسانية من أصول فرنسية إبان زيارة الرئيس الفرنسي الراحل، جاك شيراك، لموريتانيا (نوفمبر 1997) نشرتُ، بالمناسبة، مقالا متواضعا عن المفردات الحسانية من أصل فرنسي. كان ذلك في أسبوعية “القلم”. أتذكر أن المقال تناول حتى المفردات المبتذلة المعروفة من قبل الجميع. أعتقد أنه لا داعي اليوم لذكر مثل تلك المفردات المشهورة، بل الأهم أن نطلع، قدر المستطاع، على المفردات الفرنسية الدفينة في الحسانية لدرجة أن الناس أصبحوا يتوهمون أنها حسانية صرفة. نعرّج في عجالة على ثلاثة أمثلة أخرى:

1- متــْـكــَـرْبَلْ: كلمة حسانية مصدرها اتكــَـرْبيلْ: وهي تعني المغامرة مع شيء من الدهاء وعدم الاكتراث. كان الضباط والإداريون الفرنسيون يوبخون تارة مجنديهم السينغاليين والموريتانيين بعبارات من بينها Crapule أي الشخص المنحط. هذا الـ”اكرابيلْ” اشتق منه كوميات “اتكــَـرْبيلْ” و”متكــَـرْبَلْ”، وحَوّروا المعنى ليقترب من “المغامر الداهية الذي لا يكترث بالعواقب”. فمن يتخلف عن كتيبة النصارى فهو “اكـْرَبـّـيلْ” أي أنه لا يهتم بما سينجر عن ذلك من عقاب سيطبقه عليه “كومانده” أو “يطنه”. إنه منحط بالنسبة للفرنسيين، لكنه مغامر لا يخشى العقوبة بالنسبة لكوميات البيظان. 2- اتــْـبَتــْـنيكْ: لا أعرف ما إذا كانت هذه العبارة مستخدمة لدى كل الناطقين بالحسانية خاصة في موريتانيا. فهي قطعا تستخدم في الجنوب الغربي الموريتاني ولدى لبزوكه (في السينغال). و”اتبَـتــْـنيكْ” هو استخدام طفل أو مراهق في مهمات صغيرة وقريبة تتطلب الخفة والسرعة. أي أنه “ارْسُولْ” (براء مرققة). كان الحكام الفرنسيون يأتون معهم بطفل أو مراهق زنجي يصلح للاستخدام في مثل هذه المهمات كالإتيان بالسجائر من عند الدكان، أو إخبار “مدام” أن السيد سيتأخر عن المنزل، أو ملء كأس بالماء، أو شراء خبز. فالعامل المنزلي الكبير في السن (صاحب التجربة) منهمك في الطباخة والأواني والضيوف، وبالتالي لابد من طفل أو مراهق يقوم بالمهمات الخفيفة. الحكام والإداريون الفرنسيون كانوا يطلقون على هذا المراهق عبارة Pétit nègre أي الزنجي الصغير. ومن عبارة “بتي نيكرْ”، وانطلاقا من المهمة الموكلة إليه، اشتق البيظان العاملون مع الفرنسيين

كلمة “اتــْـبَـتــْـنيكْ” التي تعني بالضبط إرسال الشخص بصفة متكررة في مهمات غير شاقة، فيقولون: “أهْلْ افلانْ عَنـْـدْهم شغـّـال اكبيرْ، يغير عندهم اطفيْـلْ إبَـتــنـْـكُوهْ، امخصّينُ ألاّ لاتــْـبَـتـْـنيكْ”.

يجب أن لا يقع الخلط بين عبارة Pétit nègre التي أوضحنا معناها أعلاه، وبين عبارة Pétit nègre التي شاعت لدى المستعمر الفرنسي للتعبير عن “اللغة الفرنسية المبسطة” لمستعمرات غرب إفريقيا. إنها، بالنسبة للمستعمر، ذلك الاستخدام المعقلن المبسّط الضروري للغة معقدة يصعب فهمها على غير متكلميها.

3- اترَوْسِي: لعلها أغرب مفردة حسانية لا يمكن أن نتخيل أن أصلها فرنسي لأنها دخلت حتى في قاموس الأدب الحساني. فـ”اتروسي”، الذي هو مواصلة نقل أي شيء من مكان لمكان آخر، يعني أيضا ما يعرف في الشعر الفصيح بـ”اللف والنشر” (مرتبا أو غير مرتب). والحقيقة أن “اتروسي” في الأصل هو جمع، ومواصلة جمع، وتنظيم “الروسيات” أي الأوصال التي تؤخذ مقابل بيع بضاعة أو تسليم مبلغ. وبالتالي فهي مشتقة من الكلمة الفرنسية Reçu التي تعني الوصل أو الفاتورة تارة. علما بأن التجار البيظان، أصحاب الحوانيت الكبيرة في السينغال، كانوا يستخدمون “وَكّافــَـه” و”رَوْسَايَــه”، فـ”الوَكّافـَـه” للبيع و”الرّوْسَايَـه” لجمع “الروسيات” ونقلها إلى الدرج الخاص بها وتنظيمها. وبما أن كلمة “اتــْـرَوْسِي” أصبحت تعني نقل الأشياء تباعا من مكان لمكان آخر، أسقطوها على الأدب الحساني للتعبير عن نقل الشاعر لنفس الأسماء من مكانها في بداية “الطلعه” إلى مكان آخر في نهايتها دون الإضرار بالوزن والروي.

شاهد أيضاً

السفارة الفرنسية في نواكشوط توشح عددا من الكتاب الموريتانيين الفرانكفونيين

وما احتضنت السفارة الفرنسية في نواكشوط الليلة البارحة حفلا تم خلاله توشيح اربعة من الكتاب …