ما الذي يطبخ في تيرس؟/ تحليل

أكيد ـ نواكشوط

على مر سنوات حكم ولد عبد العزيز الماضية كانت منطقة تيرس قبلة للقاء/ لقاءات بين الرئيس الموريتاني وأركان حكمه، منها الحج ومنها الزيارة؛ فجو الطبيعة الصحي الساحر الهادئ في تيرس يجعل منها منطقة استجمام تعوض محمية ولد عبد العزيز في إينشيري ـ التي لم يعد يعقد فيها مثل تلك اللقاءات ربما لأسباب أمنية ـ ويجعل منها في نفس الوقت فرصة لتدوير الأفكار وتقليب الرؤى لاتخاذ القرارات الأساسية المناسبة.

ومنذ أصبح الشيخ ولد باي ـ رفيق السلاح ـ والصديق الشخصي لولد عبد العزيز عمدة لمدينة ازويرات لم يفتر الرئيس الموريتاني عن أخذ عطلته السنوية في المنطقة، وثارت شائعات ورويت قصص عن هذه العطل والبذخ الذي يحدث أثناءها (من يتذكر قصة نعناع أطار الذي يجلب بواسطة طائرة للجيش؟).

فما الذي يدور هناك حقا؟

وما أهم القرارات التي ستتخذ في “عطلة تيرس”؟

ما يجعلنا نقول بأن هناك ما يحضر في تيرس هو أنها المرة الأولى التي يكون فيها الرئيس عزيز في المنطقة في مارس، فقد كان هناك دائما بين شهري ديسمبر ويناير، أما في هذه المرة فقد كان هناك في توقيته المعهود في المنطقة، ففي ديسمبر كان هناك، ولم يقطع عطلته لزيارة رئيس الوزراء المغربي بنكيران الذي جاء معتذرا، واستقبله في مدينة ازويرات، حتى إذا اشتدت الأزمة الغامبية  قطعها في يناير للوساطة في تلك الأزمة وأجرى مقابلتيه مع فرانس 24 والتقى بعض البرلمانيين لحثهم على التصويت للتعديلات، وقد عاد قبل أيام للمنطقة في جولة جديدة ربما تدفع لها الظرفية الخاصة للبلد.

مسألة أخرى تدعو للتوقف عند هذه “العطلة” والاعتقاد بأنها ليست عطلة عادية كعطلة نواذييو في الصيف الماضي في أغشت، وهي كم الشخصيات التي تتقاطر على تيرس، فبالإضافة إلى رفيقي العطلة التقليديين: الشيخ ولد بايه ومحمد يحظيه ولد ابريد الليل استدعى “المؤتمر التيرسي” بعضا من رموز النظام الطائعي الوازنين انتخابيا مثل ” كابه ولد اعليوه، ولم يغب رجال الأعمال عن المؤتمر السنوي مثل “بهاي ولد غده” ولا رفيق السلاح الآخر ولد الغزواني قائد الجيوش، والسياسي الذي استوزرته أربع حكومات مختلفة وزير الدفاع السابق ورئيس حزب الاتحاد من أجل الجمهورية السابق محمد محمود ولد محمد الامين.

وبافتراض أن الخطوات التي قام بها ولد عبد العزيز مؤخرا صادرة عن توصيات “عطلة تيرس” مثل حسم عرض التعديلات على البرلمان في 22 فبراير، والقيام بتعديل وزاري جديد، وإجراء مقابلة يعلن فيها ولد عبد العزيز بشكل قاطع عدم سعيه لمأمورية ثالثة، وحث البرلمانيين على التصويت للتعديلات وتكليف احميده ولد اباه بمتابعة اتصالات البرلمانيين ـ فيما يقال ـ ضمانا لتمرير التعديلات.. علينا أن نتوقع قرارات مهمة وخطوات كبيرة ستؤسس لما بعد مغادرة ولد عبد العزيز.

المتابع للظرف الموريتاني سيتبادر إلى ذهنه أن لقاء الرئيس بمستشاريه المقربين و”شركائه في الحكم” في هذه الفترة سيتناول (قطعا) المرشح الأمثل الذي سيخلف ولد عبد العزيز، ولكن في الحقيقة قد لا تحدد “عطلة تيرس” اسما محددا، وإنما ستحدد قائمة الخيارات المتاحة لحين مزيد من النظر والتأمل وحسم المعارك السياسية الحالية وفي طليعتها معركة التعديلات التي يواجهها تمرد داخلي محتمل من أعضاء مجلس الشيوخ، ومعارضة شديدة من قوى سياسية كالمنتدى والتكتل،  وفتور وقلة حماس من المعارضة المحاورة كأحزاب الزنوج والتحالف والمعاهدة.

ستكون هناك إجراءات للتمهيد للمرشح القادم وعملية تمرير للملفات تدريجية، وربما اختبارات لعجم عوده، وتهيئة للساحة لاستقباله كنبتة طبيعية، وتذليل العقبات في وجه وصوله للسلطة بإقناع القوى المساندة للنظام الحاكم بدعمه.

ستكون العطلة فرصة كذلك لتسديد ضربات محكمة للمعارضة التي تتفرج عموما على المشهد السياسي عدا بعض التحركات العادية جدا والتي فضل قادة المعارضة القيام بها بين الأسواق لتعبئة المواطنين ضد التعديلات مثلما فعل ولد مولود وحننا وبتاح، والذهاب إلى الداخل للقول بعدم سهولة تعديل الدستور كل أربع سنوات مثلما فعل منصور، فيما يقطع أحمد داداه زيارته الخارجية دون أن يزيد حزبه على بيان مشترك مع حزب آخر يتوعد المصوتين بالخيانة العظمى.

لكن وجاهة توجيه ضربة للمعارضة تأتي ـ ليس بسبب وقوفها الباهت في وجه التعديلات الدستورية وإنما خوفا من أي اصطفاف لها خلف مرشح قد ينافس مرشح السلطة.

إن تأمين معسكر السلطة من أي مفاجأة غير سارة تعصف برموزها وعلى رأسهم ولد عبد العزيز نفسه يبقى هاجس العطلة الأساسي، وهذا يعتمد بالأساس على حسن قراءة تجارب المحيط الإفريقي من ناحية، وتحليل معطيات الواقع المحلي الذي يشهد تنافسا صامتا بين مرشح كل جناح في السلطة ـ وقد بدأت بوادر ذلك فعلا عن طريق الإشاعات عن أسماء مرشحة، وكتابات إعلامية ترشح بين الحين والآخر ـ نفس الواقع الذي قد يشهد في القريب العاجل تغييرات في موازين القوى لصالح معارضة ظلت تلهث خلف أفعال النظام المتماسك لتختلق ردات فعل لا تناسب أفعاله.

التحرير

 

شاهد أيضاً

كلمات حسانية أصلها فرنسي / محمد فال ولد سيد ميله

كما في كل لغة أو لهجة، كلمات دخيلة تتلقى ترحيب اللغة المضيفة فتقوم بدمجها بسرعة …