ملف الأسبوع الجزائرية: خفايا اعتقال موريتانيا لـ 14 جنديا من البحرية المغربية

الأسبوع الجزائرية

3 يونيو 2017

المغرب يهدد بالحرب الشاملة إن سلمت الجزائر للبوليساريو طرادات لخفر السواحل

إعداد: عبد الحميد العوني

رسم المغرب خطه الأحمر في اللعبة الإقليمية الجديدة بعد انسحاب جيشه من الكركرات، بالرد على الاستفزاز بحزم كما قال الناطق الرسمي لحكومته، في حال تسليم طرادات لخفر السواحل لجبهة البوليساريو، لتمديد وقف إطلاق النار إلى المياه الإقليمية مقابل الكركرات.

وجاء الرد من موريتانيا التي رفضت المساس بغلاف الكويرة، واعتقلت 14 جنديا من البحرية المغربية قبل أن تفرج عنهم في المياه الدولية، في تطور لافت نقل فيه القرار الأخير لمجلس الأمن دولتي الجزائر وموريتانيا، من “مراقبين” في نزاع الصحراء، إلى “طرفين” فيه، فتغير التنافس على الكويرة بين البوليساريو ونواكشوط من “الجيوبوليتيك” إلى إثارة مشكل الحدود، وراسل إبراهيم غالي الأمين العام للأمم المتحدة في 13 ماي 2017 بخصوص تواجد القوات البحرية المغربية على مسافة 50 كيلومترا خارج المنطقة العازلة، وعده خرقا لاتفاق وقف إطلاق النار 1991، والاتفاقية العسكرية المكملة 1 لسنة 1997، وصادرت البحرية المغربية 37 قاربا موريتانيا في نقطة “الدخيلة”، 50 كيلومترا عن المنطقة العازلة، وتعد لعبة 50 كيلومترا في الاتجاهين الموريتاني والمغربي رهانا آخر، كما جاءت في رسالة جبهة البوليساريو، “عقدة” جديدة لانتقال المشكل في الصحراء إلى واجهته البحرية.

المغرب هدد دولة الجزائر عسكريا في حال تزويد البوليساريو بطرادات خفر السواحل لتمديد اتفاق وقف إطلاق النار إلى البحر، وصادرت قوته البحرية 37 قاربا موريتانيا في نقطة “الدخيلة”، وردت نواكشوط باعتقال 14 جنديا مغربيا بعد احتجاج لجبهة البوليساريو على تواجد البحرية المغربية على مسافة 50 كيلومترا خارج المنطقة العازلة

ترفض موريتانيا إقصاء قواربها من الصيد في منطقة موكول لها بإدارتها، حسب “اتفاق مدريد”، الذي لا يزال ساريا لتواجدها في الكويرة.

وصادرت البحرية المغربية 37 قاربا موريتانيا للصيد في نقطة “الدخيلة”، فأثارت جبهة البوليساريو تواجد البحرية المغربية إلى مسافة 50 كيلومترا خارج المنطقة العازلة، وجاء مشكل أو “عقدة” الـ 50 كيلومترا في محاولة لرسم الخارطة في البحر بعد تدخل مجلس الأمن في البر (الكركرات).

وهدد المغرب بإشعال حرب ضد الجزائر في حال تغييرها للخارطة البحرية في مياه الأطلسي، لأن ذلك سينسف اتفاقيات الصيد مع الاتحاد الأوروبي، وسيمكن البوليساريو من توقيع اتفاقيات، فالمسألة في المياه تختلف، لأن البوليساريو خارج المنطقة العازلة (5 كيلومترات) قد يتواجد في ساحل واسع في المياه الأطلسية.

ورد البحرية الموريتانية، رغم قوته، ضد البحرية المغربية، يمنع البوليساريو من أي دور له في المياه، ويصل إلى اقتسام النفوذ على الصيد في إقليم الصحراء بين الرباط ونواكشوط، ليس على حدود “اتفاق مدريد” أو وقف إطلاق النار، ولكن في كل ما يخص الغلاف البحري لمدينة الكويرة.

وأسر ولد عبد العزيز للرئيس الكوناكري ألفا كوندي، رئيس الاتحاد الإفريقي، بالقول: “لا يمكن للمغرب أن يرسم حدود موريتانيا، ويجب تحذير المغرب بشكل مباشر، كما يجب عليه أن يفرج على المراكب التي صادرها لصيادين أخذوا موافقة دولة عضو في الاتحاد”.

وطغى موضوع “المواجهة البحرية” بين موريتانيا والمغرب على كواليس القمة 17 لرؤساء دول “منظمة استثمار نهر السنغال”، والمعروفة بإنشائها سد “غاما” في السنغال بتمويل فرنسي منذ 1986 وسد “ناناتالي” في مالي بطاقة استيعابية تبلغ 11.1 مليار متر مكعب.

ورفض رئيس الاتحاد الإفريقي أن تكون شواطئ الصحراء مدعاة للتهديد (من المغرب أو الجزائر) أو الرد (اعتقال جنود)، وعلى الأمم المتحدة أن تقوم بدورها، أو يتدخل الاتحاد الإفريقي للسماح لمن سماهم الصحراويين بـ “أكل أسماكهم”، وانفعل الرئيس كوندي، لأن مشكل الصيد في إقليم الصحراء ليس مطروحا للنقاش القاري ويجب طرحه في قمة الاتحادين، الأوروبي والإفريقي، وسبق للرئيس الدوري للاتحاد الإفريقي اقتراح عودة ملف الصحراء من الأمم المتحدة إلى المنظمة الإفريقية لإدارة حل نهائي للموضوع.

ورفض الرئيس كوندي ما سمي في الكواليس بـ “أزمة الخمسين”، والواضح أن محاربة التهريب ليست مقصدا، وبدأه المغرب بربطه بالإرهاب في مشكل “الكركرات”، وأصبح في نظر تقرير الاتحاد الأوروبي “سياسات أحادية الجانب” لدول المنطقة بما يعرقل “التجارة الحرة”.

ودافع الأوروبيون عن معبر “الكركرات” رغم عدم شرعيته القانونية الصرفة، لترسيخ مبدإ “حرية التجارة” في مناطق النزاع، وسبق للبحرية الموريتانية إطلاق النار على صيادين سنغاليين لعدم التزامهم بكوتا الرخص الأربعمائة المسلمة من نواكشوط للصيادين التقليديين التابعين لجارها الجنوبي ولقانونها الصادر في 2002.

وكلما حاصرت موريتانيا الصيادين السنغاليين، حاصرت الرباط الصيادين الموريتانيين في لعبة لا تقف عند موضوع الصيد، بل تشمل البترول في الشواطئ.

تقول “دكار أكتويل” في عمودها الشهير “لايزر الإثنين”: “إن الحرارة بين محور دكار ـ باريس، تحول كل شيء إلى إدارة الاستخبارات الخارجية منذ القمة الإقليمية لأبوجا (14 ماي 2016) التي شارك في إعدادها الرئيس السابق فرانسوا هولاند، من أجل انتشار فرنسا في بحيرة تشاد، ونقل صلاحيات القرار للقوات الخاصة (سي. أو. إس)”(3).

وأعادت باريس انتشار القوات الخاصة والاستخبارات في السنغال، منذ تعيين، كريستوف بيجو، سفيرا في السنغال لمواجهة تأثير قيادة “أفريكوم” المتواجدة في دكار، وعقبها انتقل الجنرال، جون بيير بالاسي، قائد عملية “براخان” من نجامينا إلى باريس، فيما أدار قائد العمليات الخاصة في المخابرات الخارجية الفرنسية الجنرال، إريك بكيه، العلاقات مع موريتانيا.

ووشح الفريق، محمد ولد الشيخ محمد أحمد، قائد الأركان العامة الموريتانية للجيوش، باسم رئيس الجمهورية، ولد عبد العزيز، يوم 13 مارس 2017 الفريق، إيريك بيكيه، بوسام “كوماندار من نظام الاستحقاق الوطني” لدوره البارز في تعزيز التعاون العسكري بين فرنسا وموريتانيا.

سيطرة قائد العمليات الخاصة في الإدارة العامة للأمن الخارجي الفريق، إيريك بيكيه، على كل مفاصل القرار الموريتاني، والتقسيم البحري للصحراء يمنع الرباط من المساس بغلاف الكويرة

بدأ التحول في 2013 بتعيين مدير جديد للاستراتيجية في المديرية العامة للأمن الخارجي “دي. جي. إس. أو” بعدما رأس مديرية إفريقيا الشمالية والشرق الأوسط وكان سفيرا لبلاده في إسرائيل، وكاد اصطدامه مع الأجهزة المغربية أن يصل إلى أبعد من حادثة استدعاء القضاء الفرنسي لرئيس الاستخبارات الداخلية، عبد اللطيف الحموشي، لأن انسجام المملكة مع متطلبات مرسوم 21 دجنبر 2012، الذي يطور إنتاج المعلومات (أو الاستعلامات) لم تكن كافية، فيما تطور العمل الفرنسي الموريتاني مع إريك بكيه إلى حدود تجاوزت ما خطط له الطرفان.

وحسب مذهب “نتائج كبيرة بعناصر قليلة” المعروف بـ “أد أغوستا بور أنغوستا”، وفرت موريتانيا بموارد مالية قليلة، معلومات وعمليات مباشرة وكثيرة، فالمعلومة من المغرب، تكلف 600 في المائة من مثيلتها في موريتانيا، وتزيد عن نظيرتها الجزائرية بـ 56 في المائة، وتبعا للمواد “دال”: 3126.1 و3126.2 في قانون الدفاع الفرنسي والتي تعرض بموجبه العمليات الخاصة على الحكومة، فإن موريتانيا ولد عبد العزيز، تعد كنزا استراتيجيا للمديرية العامة الفرنسية للأمن الخارجي، وفيما يتجاوز العملية السرية إلى البحث عن المعلومة بطريقة عملانية حسب إرادة كلود زيلبير زاهن(5) في التقاطع الجيوسياسي للبلد الحليف، استفادت موريتانيا من تحول 2013 الذي سبقه تقييم الوضعيات في 2001 (أو 2002)(6).

ويشكل التعاون العسكري بين موريتانيا وفرنسا من خلال المديرية العامة للأمن الخارجي، أسلوبا فعالا ومتقدما على علاقات وزارة الدفاع الفرنسية مع القوات المسلحة الملكية، لأن تحول 2013 “جورف رقم 0009 ل 11 يناير 2013” والتي قصدت توقيعه في يوم احتفال المغرب بتقديم وثيقة الاستقلال مرفوقا بوثيقة أخرى، يدافع عن الحدود الدولية والتجارية في غرب إفريقيا باستثمار كل الوسائل التقنية للوصول إلى الأهداف المرجوة، واتصلت نواكشوط بـ “فرينتش لون”، والاستخبارات عبر الصور (صاروخ هيليوس)، وبدائرة برنامج “أليانس باز” الذي أعلنه جاك شيراك مع “السي. آي. إي”، وعمل قسم التنفيذ بواسطة قائد العمليات، الفريق إيريك بيكيه، على توجيه الجيش الموريتاني كـ “فرقة عمليات” في مرحلة تعد فيها الاستخبارات “جيوش الظل” في التجسس ومكافحة التجسس.

الفريق إيريك بيكيه، رئيس قسم العمليات في المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسية، من نواذيبو، يهندس للعلاقات التجارية التي حمت بموجبها فرنسا مصالح المغرب في الكركرات، ومصالح موريتانيا في الكويرة، وطلبت نفس الجهة بإطلاق الجنود المغاربة في المياه الدولية بعيدا عن مياه إقليم الصحراء

لم تنسق الرباط خطواتها مع باريس بشأن مياه إقليم الصحراء بعد حل مشكل “الكركرات”، وقررت الذهاب أبعد في مسألة “الكويرة”، أي اليابسة للموريتانيين والمياه للمملكة، لكن رد نواكشوط لم يكن متوقعا من طرف البحرية المغربية.

وساعد رئيس فريق العمليات الخاصة، إيريك بيكيه، في إطلاق سراح البحارة المغاربة فور إلقاء القبض عليهم، وقرر الرئيس الموريتاني أن يكون الإفراج عن البحارة المغاربة ليس في مياه إقليم الصحراء، بل في المياه الدولية، لعدم اعتراف نواكشوط بالسيادة المغربية على الإقليم.

والرسالتان مزعجتان دفعت موقعا مقربا من دوائر القرار (360) إلى إنكار الحادثة وأكدتها باقي المصادر بما فيها الأممية، وبالغ بعضها بالقول أن الجنود المغاربة، كانوا من القوات الخاصة التي أرادت التسلل إلى الكويرة واقتسام إدارة شواطئها مع الموريتانيين في مرحلة أولى.

وجاء دور المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسية حاسما في التواصل مع الفريق محمد ولد الشيخ محمد أحمد، قائد الأركان الموريتاني، وشغل قبل توليه هذا المنصب، قيادة المكتب الثاني في نفس القوات وإدارة الأمن الوطني، قبل أن يقرر الرئيس ولد عبد العزيز، إلى جانب نفس الشخص، ترسيم حركة البحرية المغربية بعد حركة الجيش المغربي في “الكركرات”، وقد اعتبرها خطوة استراتيجية غير مسبوقة لأمن موريتانيا، لكن عدم اعترافه بالإدارة المغربية للإقليم واختيار المياه الدولية لإطلاق الجنود المغاربة، رسالة قوية للرباط وازنت رسالة المملكة لقرارها الرد بحزم على الجزائر حال تسليحها البحري لجبهة البوليساريو، فلم يعد ممكنا قبول ما حدث في “الكركرات” على الواجهة البحرية، لكن رسالة إبراهيم غالي لا تستبعد مثل هذا التحرك.

وهذه الاستراتيجية مستثمرة من نواكشوط، وبدعم فرنسي مؤكد منذ 2013، ليس من الفريق بيكيه فقط، بل بتغطية واسعة منذ هذا التاريخ، من “مدام إفريقيا”، هيلير لوغال، التي تشاطر عمل مخابرات بلادها في الأمن الخارجي بموريتانيا، مستغلة نفس الموقف من طوماس ميلينو، الرقم الثاني في الطاقم الاستشاري للرئيس السابق، فرانسوا هولاند.

ولم تسعف محاولة استثمار المغرب لانتقال السلطة في الإليزيه من هولاند إلى ماكرون لتأكيد الخارطة البحرية المفصولة عن تبعات “الاتفاق الدولي حول الكركرات” في مجلس الأمن، ولم ترغب المخابرات الخارجية الفرنسية في “تأزيم الوضع”، كي لا تسقط مصالح الصيد بالنسبة للاتحاد الأوروبي، وباقي الاتفاقيات بعد قرار محكمة العدل الأوروبية القاضي بتمييز إقليم الصحراء عن المغرب.

الجولة التي انتهت بوصول الجنود المغاربة إلى يابسة الكويرة

تخوفت نواكشوط من نفس المبرر الذي دفع القوات المغربية إلى الخروج من الجدار الأمني لتطهير “الكركرات”، وقادت عملية تطهير ضد التهريب البحري والمخدرات والسجائر المهربة كي لا تعطي أي مبرر للجانب المغربي، لكنها عززت من هيمنتها على خليج نواذيبو وغلاف “الكويرة”.

وكي لا تكون فرنسا ضاغطة على نواكشوط من خلال المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا (إيكواس)، قدمت موريتانيا طلبها للانضمام إلى المجموعة، وكانت عضوا سابقا في نفس المنظومة، قبل أن تخرج وتطلب الانضمام مجددا إلى جانب المغرب، فأزيل هذا التقدير الذي منح الرباط امتيازا في أزمة “الكركرات”.

موريتانيا تخوض معركتها الخاصة ضد التهريب على قدم المساواة مع المغرب

قامت نواكشوط بمعركتها ضد التهريب والمخدرات في البحر، كما لم تفعل في “الكركرات” التي دخلها المغرب تحت هذا المبرر، قبل أن ينسحب منها استجابة لطلب الأمين العام للأمم المتحدة.

واتجه 32 جنديا بحريا نحو الكركرات في مطاردة ساخنة ضد زورق مشبوه انتهى بيد الموريتانيين، وعوض أن يتمسكوا به كما فعلوا ضد الإسبان، تركوه للموريتانيين بعد أن وصلوا إلى اليابسة واعتقلوا وأطلق سراحهم في المياه الدولية، بعيدا عن المياه الإقليمية للصحراء.

وجاءت العملية الموريتانية مسنودة بدعم جوي من “باسلر بي. تي 67” المطورة من هيكل “دي. سي 3″، ودخلت البحرية الموريتانية في نفس المستوى الإقليمي للجزائر والمغرب، لوجود دعم جوي في إبحارها.

ولدى المغرب أسطول جوي ـ بحري مصغر “فلوتين 11 ف” و3 مروحيات “أي. إس 535 بانتر 535 أس”، وعمل على تعزيز أسطوله المصغر مؤخرا بـ ” فلوتين 11 ف” الذي خلق فارقا إقليميا، لكن الجزائر قامت بخطوة كبيرة بعد حادثة 2004 التي ذهب ضحيتها 16 بحارا، قبل أن تأتي طائرة إسبانية لإنقاذ الباقي، وهي لديها الآن 16 إلى 24 مروحية للتدخل، من “ويستلاند 193″ و”101” و”وسيتلاند لينكس”، التي دخلت إلى الخدمة سنة 2014.

ومجرد قيام قوات البحرية الموريتانية بدعم جوي، بإنجاز عملياتها في مياه الصحراء، قد يهيء في المستقبل القريب لتطوير الحرب على التهريب من تهريب السجائر إلى ما يسمى “منع تهريب الثروة الطبيعية من الصحراء” تبعا لتقدير محكمة العدل الأوروبية.

ورسم الفرقاء الإقليميون خطوطهم الحمراء (الحرب)، فموريتانيا تعلن الحرب إن مس أي طرف بالكويرة، والمغرب يعلن الحرب على الجزائر إن سلمت سلاحا بحريا إلى جبهة البوليساريو لنقل وقف إطلاق النار إلى المياه المقابلة للكركرات.

عمل دبلوماسي لموريتانيا وصل إلى وزير الدفاع السعودي القوي محمد بن سلمان، والسفير الإسباني في نواكشوط، قبل قرار اعتقال أي جندي مغربي يطأ مدينة الكويرة، وهو ما أثار العاصمة الرباط، وخفض من تمثيل المغرب في القمة الأمريكية ـ العربية الإسلامية

بعد رسم حدود حركة الجيش المغربي في “الكركرات” لحماية وقف إطلاق النار، وباقي الوضع القائم من قبل مجلس الأمن، دخل الصراع في الواجهة البحرية، ومنعت البحرية المغربية 7 قوارب موريتانية في “الدخيلة” بتهمة صيد جراد البحر (لانكوست)، لتصل عدد القوارب الموريتانية المحجوزة إلى 37 قاربا، وهو ما شكل تصعيدا انتهى بوصول جنود مغاربة إلى يابسة الكويرة في مطاردة ساخنة.

وهوى، حسب تقرير لقناة “العربية” السعودية التمويل، المخزون السمكي لموريتانيا بـ 30 في المائة جراء الإفراط في الصيد من شواطئ غنية بالموارد البحرية، لوجود تيارات صاعدة، وتعمل 67 سفينة في القطاع إلى جانب 109 مؤسسات على الأرض، أغلبها يعمل في دقيق وزيت السمك.

وفي انتظار تنفيذ استثمارات “الراجحي” السعودية، فإن مسألة الصيد، تحولت إلى “مسألة أمنية”، دفعت وزير الدفاع الموريتاني، جالو مامادو باتيا، إلى مناقشة هذا الوضع مع الرجل القوي في العالم العربي وزير الدفاع السعودي، محمد بن سلمان، يوم السابع عشر من الشهر الماضي، وحضر اللقاء، رئيس الأركان العامة السعودية، عبد الرحمان البنيان، واجتمع الوزير مع سفير المملكة الإسبانية لدى موريتانيا، أنتيانيو تورس ديلس، وامتنعت البحرية الإسبانية من الدخول إلى الشواطئ المقابلة للكركرات لمنع البحرية المغربية من التوغل، وترك فاصل مائي مع موريتانيا.

ورفضت الرباط هذا التقدير، وعززت نواكشوط من أمن الشمال الموريتاني كما حملها الفريق، حننة ولد سيدي إلى جنوده، فيما قال وزير الدفاع الموريتاني، إلى جانب اللواء محمد فال ولد تقي الدين، مدير العتاد بالأركان العامة للجيوش على هامش معرض الدفاع والأمن بتركيا: “إن أمن الشمال الموريتاني أصبح ضرورة لدولتنا”.

وأدى الفريق حننة، قائد الأركان العامة للجيوش المساعدة إثر تفقده لمهمة تطويق بـ “المغيط ـ الشكات” والوحدات بقاعدة “لمرية” تحية نضال لجنوده، لأن الحرب ليست مستبعدة لأن مصالح موريتانيا مهددة، وسادت قناعة أن ما انتصرت فيه البوليساريو في البر، لا يمكن أن تفشل فيه نواكشوط في مدينة الكويرة والدفاع عن نواديبو، رئة الأمة الموريتانية.

وتابع “المكتب الثالث” من خلال أبه ولد بابتي، وعن “المكتب الثاني” محمود ولد جعفر، هذه المسيرة، ويعرف الموريتانيون أن الحرب “استخبارية” إلى حدود اللحظة.

ويلاحظ المراقبون الأجانب في نواكشوط، أن القائد محمد ولد أكنيتي، عن قيادة العمليات في الجيش، متحمس لمعركة تفصل مشكلة الشمال الموريتاني عن المشاكل العالقة، والمسألة تتطلب في نظره، الرد المتكافئ على العمليات التي تأتي من السنغال أو المغرب، بنفس القدرة والحزم.

ويكاد هذا الرباعي أن يستقيم على رأي واحد: المواجهة في حال المساس بشاطئ ويابسة الكويرة، وقبل حادثة اعتقال الجنود المغاربة، اعترضت البحرية الموريتانية القارب رقم “إس. إل. 3494″، وكان الصدى الإعلامي للحادث قد وضع الرباط في موقف حرج في حربها على المخدرات، قبل أن تقرر المزيد من التشدد والحزم وتقبل بـ “المطاردة الساخنة” التي انتهت بإيقاف جنود مغاربة ليتم إطلاق سراحهم في عمق المياه الدولية.

عمل لوجيستيكي للعمليات في “الكويرة” بمساعدة فرنسية

لا يواجه المغرب موريتانيا، بل استراتيجية فرنسية تحاول الرباط تعديلها ولو بشكل طفيف، ولا تستطيع، لأن المديرية العامة للأمن الخارجي، منذ ضمها للجنرال، إيريك بيكيه في قيادة العمليات، تدافع عن خارطة في غرب إفريقيا لا يمكن الانقلاب عليها.

تقول “أخبار الخليج”، منذ أن زار الجنرال لويس جون غورجيليان، قائد أركان الجيوش الفرنسية العاصمة نواكشوط في يناير 2010، تسلمت موريتانيا دبابات وآليات في إطار التعاون الذي لم يعد تعاونا كلاسيكيا، بل انتقل إلى المجال الذكي، وحدث الانتقال في البحرية الموريتانية بدخول السفينتين الصينيتين الخدمة بالاسمين الحسانيين: “تمبدغة” (بي 631) و”غروغول” (بي 632)، وكلفتا 42 مليون دولار وبإعفاء قررته الحكومة الصينية بلغ مليونا ونصف المليون دولار.

ولا يزال السفير الصيني في نواكشوط، زهانغ كسون، داعما للتعاون العسكري بين البلدين إلى جانب الأتراك، وهو ما يفيد إلى الآن، في تعزيز الحماية الموجهة إلى الشواطئ الموريتانية من طرف الفرنسيين.

وللإشارة، فإن المناورة في “تمبدغة” والمعروفة في الأوساط العسكرية الغربية بـ “تيمبدرا”، يصل 300 كلم، أي مجموع الشواطئ الموريتانية، وهو ما يمكن العمل على حمايته، والواقع أن موريتانيا، كما تقول قناة “فرانسوا كولتور”: “لها دور إقليمي لا تهتم له وسائل الإعلام العالمية”.

ومنذ طي الرئيس الموريتاني لدوره في “غاناغيت” حول تدوير الدولار وغسله، أصبحت نواكشوط قوية في لعب دورها في غرب إفريقيا، وحول حدودها في الشمال مع المغرب وجنوبها مع السنغال وعلى صعيد قاري، ظهرت نواكشوط:

أـ داعمة قوية لترأس الجزائر للشرطة الإفريقية “أفريبول” في ظل التنافس المغربي ـ الجزائري، لتعزيز الحرب على المخدرات والتهريب في الصحراء والمنطقة العازلة، ورد المغرب بقوة على هذا الترشيح من خلال تصريحات تؤكد على عرقلة الجارة الشرقية للتعاون الإقليمي لمحاربة الإرهاب.

ب ـ مشاركة في العمليات الخاصة الفرنسية دون تحفظ.

ج ـ ترسيخ الدعم اللوجستيكي القادم من وزارة الدفاع الفرنسية، من قناة وتقديرات المديرية العامة للأمن الخارجي.

د ـ اسم “الكويرة” أصبح لدى الموريتانيين خطا أحمر أمام البحرية المغربية، ولم يعد هناك معنى لمعركة جزئية في الإقليم، لأن الحرب الجديدة في الصحراء، لن تكون محدودة أو مسقوفة.

هـ ـ أن الرجوع إلى مرحلة ولد الطايع في قضية الشمال الموريتاني، انتهت بغير رجعة.

وـ أن تسليم البوليساريو سلاحا بحريا يعتبره المغرب إعلان حرب، فيما يتنافس الجزائريون والمغاربة على الحدود في قضية “اللاجئين السوريين” لـ “إزالة البعد الإنساني” عن خلافهم وستكون أي مواجهة بين البلدين صادمة في بشاعتها.

وبدأت الحرب على الصيادين بإطلاق النار أو مصادرة سفنهم التقليدية، لأن الموريتانيين قالوا بردهم بالنار على زجاجات حارقة استخدمها السنغاليون، وقد صادر الطرف المغربي قرابة الأربعين قاربا موريتانيا، ولازالت الحرب جارية مذ هدد المغرب بالرد بحزم إن تدخلت الجزائر عن طريق البوليساريو.

ويبدو أن الدعم الذي أعطته المديرية العامة الفرنسية للأمن الخارجي لموريتانيا يتجاوز ثلاث مرات ما كان متوقعا منها، وإن وقع سوء فهم في استخدام العمليات الخاصة لمصالح ولد عبد العزيز، وتدقق قوات المجموعة الاقتصادية “الإيكواس” في قضية جندي سابق في الحرس الخاص للرئيس الغامبي السابق، يحيى جامح، خطط لاغتيال الرئيس الجديد، أوداموبارو.

وقضية الجندي أبيكر أنجاني، استخدمت فيها أرقام هاتفية موريتانية، وليس هناك في نظر المخابرات الخارجية الفرنسية تورطا موريتانيا، لكن قائد العمليات، القريب من ولد عبد العزيز، سمح بتحقيق آخر من مديريتين جديدتين.

وأقفلت باريس الموضوع لتسييسه بين دكار والرباط، وبين نواكشوط، التي تحصر كل عملياتها قاريا بالتعاون مع المديرية العامة الفرنسية للأمن الخارجي، وهناك حيثيات للجندي أبيكر أنجاني، المتورط في الحادثة، لا تسعف في نظر المخابرات الفرنسية، أن تتهم موريتانيا بعد الوفاة المفاجئة للرئيس الأسبق ولد فال، وقالت وسائل إعلامية مغربية بقتله متهمة جبهة البوليساريو.

ورفضت المخابرات الخارجية الفرنسية اتهام الرئيس ولد عبد العزيز، لكن هذا لا يمنع من بقاء السؤال عالقا حول الدور الغامض لبلاده في محاولة قتل الرئيس الغامبي والرئيس الأسبق لموريتانيا.

وتتجه المنطقة إلى طي هذه الصفحة، لأن الجندي المقبوض عليه يورط نواكشوط، ولم تثر عائلة أعل ولد فال، أي شيء بخصوص موته بسكتة قلبية، وتبقى الحرب الحقيقية حول مياه إقليم الصحراء مشتعلة، حولت البوليساريو إلى المطالبة بتدخل الأمم المتحدة، فيما ترغب موريتانيا باستقرار الكويرة نهائيا في يدها، والذهاب بعيدا في الشراكة مع الصين ومع شركتها المختصة في الصيد “هولي هودون”.

الصين التي تسلح البحرية الموريتانية، توسع من صيدها واستثمارها عبر شركة “هولي هودون

تقول دراسة للشركة الموريتانية لتسويق الأسماك: “إن الأخطبوط الموريتاني في الفترة من 1992 إلى 2015، شكلت عائداته 3 تريليون أوقية (العملة المحلية)، أي ميزانية الدولة الموريتانية لسنتين وزيادة”.

ويكشف هذا المؤشر أثر البحر وصيده على الأمن القومي الموريتاني، وشن الحرب على الجوار بتسليح البحرية الموريتانية، خيار لنظام ولد عبد العزيز، وجد متنفسه من إسقاط المخابرات الخارجية الفرنسية لأي تحفظات على السلاح الموجه إلى نواكشوط، من السلاح الفرنسي في البر، ومن السلاح الصيني في البحر، وهي معادلة تبدو ناجحة في الدفاع عن “الكويرة” ضمن التراب والمياه البحرية للبلد.

وهذا التطور في زاوية النظر الموريتانية، يفرض وحده، وعلى الأرض، عرقلة الضم النهائي للصحراء من طرف المملكة، وكل شيء متعلق حاليا بإعادة تقسيم الصحراء مع موريتانيا، وقد بدأ التقسيم ترابيا في “اتفاق مدريد” قبل أن يتحول بعد 1979 إلى تقسيم الموارد الطبيعية، في عهد الحسن الثاني، وهو ما دفع بجبهة البوليساريو إلى الترافع أمام الأمم المتحدة، لأن المسألة تتعلق بمعادلة إقليمية جديدة قد تدفع إشراك الطرفين “المراقبين” والمتحولين إلى أطراف “شريكة”، إلى حل قضية الصحراء بـ “توزيع” الإقليم بعيدا عن ساكنته.

لم يقلل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أهمية التطورات الجارية، ومستقبلها على المفاوضات، لكن التقارير تؤكد أن هناك فهما جديدا لما يسمى “الأمة البيضانية” تدعم أهداف الشمال الموريتاني من طرف الصحراويين، والصحراويون يدعمون القيادة “البيضانية” في نواكشوط ، لكن الجيش الموريتاني وولد عبد العزيز، لا يدعو موريتانيا إلى ترسيم حدود جديدة في المنطقة، ولا يشجع إبراهيم غالي بدوره أي صفقة إقليمية بمواصفات جديدة.

ويرى الصينيون المسلحون لنظام ولد عبد العزيز، أن قدرة موريتانيا على استعادة دورها الإقليمي ممكنة، وقد تشكل فرصة مؤكدة للشركات الصينية لإعادة رسم الاستثمارات الصينية في باقي الإقليم المغاربي، وتساير المخابرات الخارجية الفرنسية هذه “الروح الواقعية” إلى جانب بكين، فيما يتساءل الجميع عن محاولة كل طرف كسب أوراق لصالحه قبل الذهاب إلى المفاوضات ورفع شعار “الواقعية” لتكريس ما هو موجود.

على طاولة المفاوضات، ستطالب البوليساريو بتعزيز وقف إطلاق النار من خلال إدارة الأمم المتحدة للإقليم في البر والبحر ـ الصحراويين ـ وموريتانيا تدافع من الآن، عن الكويرة كجزء من ترابها، والمغرب يحظر على الجزائر أي تسليح بحري للبوليساريو، وإلا رد بحزم، لا يستبعد ـ في نظر الأمم المتحدة ـ الحرب الشاملة، و”هذه الظروف الإقليمية تدفع إلى ترتيب دولي مسبق أيضا” تقول وثيقة مخابرات الخارجية الفرنسية

حذر المغرب الجزائر بـ “الرد بحزم” قبل أن يواصل ترتيباته التي وصلت بطلائع جنوده إلى يابسة مدينة الكويرة، لكن الرد الموريتاني لم يكن ضعيفا في مدينة محسوبة على إقليم الصحراء، فكما أن المغرب يعد إقليم الصحراء جزءا من ترابه، فإن نفس المنطق يمكن رفعه من طرف موريتانيا التي تحظى بما حظي به لمغرب في “اتفاق مدريد”.

كل شيء كاد أن ينفجر، ويعود الجميع إلى حرب سيدخل فيها الموريتانيون والصحراويون جبهة واحدة كما لم يحدث من قبل، ولم تربح الرباط إلا لأن نواكشوط حاربت إلى جانب المغرب واعتزلت القتال، فالرؤية التي يحملها ولد عبد العزيز ليست قاصرة على لعب دور إقليمي لبلده في غرب إفريقيا وفي مستقبل الصحراء، عبر الأمم المتحدة، بل على الحفاظ على دور إسباني متقدم في غرب إفريقيا، وإن مالت المخابرات الفرنسية الخارجية إلى اعتباره منسجما مع تقديراتها الجديدة في الصحراء، ومع تفاهم واضح مع الأوروبيين في هذا السياق.

ومن المهم أن يؤكد الجميع، أن المغرب سكت عما حدث لجنوده، بل أنكر الحادثة، ودفع إلى التوقيع على اتفاقية أنبوب الغاز النيجيري ـ المغربي، وهو يعزل البوليساريو، لأن موريتانيا أخذت دورها كاملا في الواجهة البحرية لإقليم الصحراء، على أساس تقسيم منطقته البحرية، وهما عضوان مقبلان على دخول المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا.

وترسم هذه الخطوة المتقدمة توجها غير مسبوق في المفاوضات مع البوليساريو التي تحاصرها هذه التطورات، لكن اللعبة لم تنته بعد.

 

شاهد أيضاً

السفارة الفرنسية في نواكشوط توشح عددا من الكتاب الموريتانيين الفرانكفونيين

وما احتضنت السفارة الفرنسية في نواكشوط الليلة البارحة حفلا تم خلاله توشيح اربعة من الكتاب …