تصميم: أكيد

من يحسم معركة التعديلات الدستورية؟ (تحليل)

أكيد ـ نواكشوط

أصبح من الواضح أن موريتانيا انقسمت سياسيا إلى فسطاطين: مؤيد للتعديلات الدستورية، وآخر مناهض لها.

مؤيدو التعديلات الدستورية من الموالاة الحاكمة والمعارضة المحاورة يراهنون على إمكانيات السلطة لتمرير هذه التعديلات، التي اعترض تمريرها بنعومة عن طريق المؤتمر البرلماني مجلس الشيوخ، وذلك عبر الاستفتاء الشعبي.

وفعلا تم اللجوء إلى تفسير قانوني يتيح للرئيس عرض التعديلات على الشعب دون المرور بالبرلمان، لكن هذا التفسير ليس مطمئنا، فهو محل جدل كبير، وقد تشكلت فعليا من خبراء القانون والمحامين هيئة لمجابهته نجهل ما في جعبتها حتى الآن.

وعلى كل حال،فإن السلطة قد لا تلتفت إلى هذا الموضوع، وهي التي باشرت عن طريق مجلس الوزراء إلى إعداد مشروعين لاستدعاء الناخبين للاستفتاء حولهما، الأول يتعلق بتعديل العلم الوطني، والثاني ضمنته باقي التعديلات، وهي خطوة تم قراءتها على أنها تخوف من ربط مصير هذه التعديلات ـ التي تطال إلغاء غرفة الشيوخ، وإنشاء مجالس جهوية، وتجميع بعض المؤسسات الدستورية، وإلغاء محكمة العدل السامية ـ بمصير تعديل العلم.

لا يراهن مؤيدو التعديلات الدستورية فحسب على ما تتخذه السلطة من تدابير لضمان حدوث الاستفتاء، بل يراهنون على قدرة تشكيلاتهم السياسية على التعبئة للتصويت بنعم على التعديلات، وعلى إنجاح العملية.

فالحزب الحاكم الذي أعلن في بيان له عن التعبئة الشاملة، وبدأ على وقع مصالحة بين أجنحته يحضر للمعركة، ويطلق بعضا من وزرائه لإقامة أنشطة للتعبئة على التصويت على التعديلات لا يزال أمامه تسوية وضعيته المالية.

أما أحزاب الموالاة أو “الأغلبية” كما يحلو لها أن تطلق على نفسها فلا يزال الشك حول قدرتها على التعبئة قائما، بالنظر إلى حصادها الهزيل في الاستحقاقات الماضية التي كانت أكثر استقطابا للجماهير بسبب هيمنة الحزب الحاكم.

والمعارضة المحاورة لا تتجاوز بضعة أحزاب نال منها تعب الطريق والانشقاق إلى المعارضة الراديكالية وإلى الحزب الحاكم حتى أصبحت كيانات باهتة رمزيتها أكبر من قدرتها الجماهيرية، وغيرها من الكيانات الفلولية من معارضين أرهقتهم المقاطعة والمعارضة الصفرية أقرب إلى المجهرية.

لكن اجتماع كل هذه القوى لإنجاح تمرير التعديلات يشكل ضمانة إذا ما واكبته إرادة السلطة، إضافة إلى توفر أموال الدعاية السياسية.

ولو سلمنا بهذه المعطيات ـ نظريا ـ سنجد أن حماس الموالاة مفتقد، وربما يعود السبب في ذلك إلى طرح السؤال المحير: لماذا تجرأ شيوخ الغرفة “العليا” في البرلمان على رفض التصويت على التعديل وتجنب النزول إلى “القاع”؟

ما الذي سيجنيه الموالون للتعديلات الدستورية من رئيس أعلن للعالم عن عدم ترشحه لمأمورية أخرى، ولم لا يبحثون عن الوريث للسلطة ويقيمون معه صفقات تريحهم وتخدمه بدلا من هذا “التيه”؟

أسئلة لا يمكن الإجابة عنها في ظل تكتم السلطة على المرشح لخلافة ولد عبد العزيز، وهي مسألة قد تكون لصالحه، ولكنها لن تكون لصالح الهمة والحماس للتصويت بنعم، فالفاعلون السياسيون لا يدرون ما سيكون حالهم إذا لم تمر التعديلات بنجاح.

على الضفة الأخرى مجلس شيوخ متماسك، لم يخرج عن دائرة السلطة، ولكنه لم يقبل بإحالته للتقاعد لرغبة رئاسية، يتحدث ممثلو شيوخه الموالون بهدوء ولكن بثقة، ويطرحون خيارات قد لا تبدو مزعجة للسلطة: المصالحة الوطنية.

وبالتأكيد من مصلحة تمرير هادئ للوريث أن يكون الجو السياسي تصالحيا وأقل حدة.

ويبدو شيوخه المعارضين متماهين مع الموالين حد الثقة، وهي حالة سياسية نادرة في المشهد السياسي الموريتاني، وحرية بالدراسة والتشخيص.

هؤلاء الشيوخ لم يستنفدوا كل أوراقهم بعد بتصويتهم ضد التعديلات يوم 17 مارس، وهم يعلنون بجرأة وثقة عن معارضتهم للاستفتاء ويدعون للمصالحة الوطنية يخرجون من دائرة الموالاة نظريا، ولكنهم متمسكون بمواقعهم كموالين في حزب السلطة!

السلطة التي آثرت التغاضي عن “عقابهم” لحد الآن، ولكن إلى متى ستصبر على هذا العصيان؟!

من داخل الموالاة ـ وقياسا على مجلس الشيوخ ـ من لا يوافق على التعديلات، وقد لا يجد نفسه مضطرا للإفصاح عن هذه الرغبة وهو ما سيمثل إسفينا قد يشعر النظام بوخزه دون استطاعة نزعه.

المعارضة التي سلبت ورقة التعبئة ضد العلم، لا يزال في جعبتها ما تواجه به التعديلات، فالمنتدى الذي أرسى اليوم هيئاته القيادية مستحضرا الاستفتاء وانتخابات 2019 حدد محاور صراعه على ثلاث جبهات: جبهة سياسية، وأخرى إعلامية، وأخرى قانونية.

ودون الغوص في التفاصيل فالوقت أمامه قصير خصوصا أن وسائله المالية أسوأ حالا بكثير من وسائل مؤيدي التعديلات.

تكتل القوى الديمقراطية لا يختلف كثيرا عن المنتدى، وإن كانت قوة مواقفه في الفترة الأخيرة تشكل جاذبا، إلا أن قدرته الميدانية على التحرك محل شك.

وهناك قوى أخرى في الساحة المعارضة أقل أهمية، لكنها ترفض التعديلات، وسيكون دورها مطلوبا لحسم المعركة التي لا نعرف هل سيدخلها الطرفان جاهزين أم لا ليبقى هامش الرفض والقبول للتعديلات كبيرا، ويبقى الحكم الذي سيطلق الصافرة هو من سيفوز لأنه سيتحول من خصم إلى منتصر.

التحرير

 

شاهد أيضاً

السفارة الفرنسية في نواكشوط توشح عددا من الكتاب الموريتانيين الفرانكفونيين

وما احتضنت السفارة الفرنسية في نواكشوط الليلة البارحة حفلا تم خلاله توشيح اربعة من الكتاب …