الكاتب: محفوظ أحمد جدو

نظرية موت الإيديولوجيا، والإسلام السياسي/ محفوظ أحمد جدو

في خمسينيات القرن الفائت تكاثر الحديث بين عدد من الفلاسفة والكتاب وأيضا الساسة، حول نهاية محتملة للإيديولوجيا؛ ذلك الشبح الرهيب والمرعب الذي ظل يؤرق الكثيرين. متفائلين في تلك التحليلات بانحسار المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفياتي حينها، في مقابل صعود متنام وسريع للديمقراطية الغربية؛ النموذج الليبرالي بشكل خاص.

في هذا السياق التاريخي والسياسي بالذات تم إبتداع  مصطلح “موت الإيديولوجيا”‏.

بيد أن الإيديولوجيا لم تمت، رغم كل تلك الحوارات التي حسمت – أوكادت- تحسم مستقبلها في العالم.
في ضوء ذلك، وكمساهمة في الجدل المحتدم الآن في بعض  الأروقة البحثية والجامعية العالمية، حول الانبعاث الإيديولوجي الجديد، سنحاول الإدلاء بموقف ما: قد يكون رأياً ذاتيا، أو حكما ابستيمولوجيا في أحسن التقييمات.
تتكون مقاربتنا -إضافة إلى الأدوات المنهجية الإجرائية- من محورين:
‏*مدخل مفهومي: يحاول تقديم رؤية تحديدية، وتاريخية لهذا المفهوم، وسياقات نشأته وتطوره.
‏*معالجة تحليلية: تحاول اقتفاء الحالة الإيديولوجية الراهنة في الفضاء العربي-الإسلامي كأولوية أكثر إلحاحا.
‏1: المدخل المفهومي: معضلة التعريف:
كان أول ظهور علني لمفهوم الأيديولوجيا‏ “‎”Ideologie‏ مع الفيلسوف الفرنسي ديستوت دوتراسي ‏D. de tracy‏ (1756 – 1836) إبان الثورة الفرنسية 1789، وولوج فرنسا عصر التنوير. لقد كان دوتراسي يعني بالمفهوم “علم الآراء والأفكار‫؛‬ أو العلم الذي يقيس مدى صحة أو خطإ الأفكار؛ التي تبنى على الافتراضات والنظريات”.
كما تم تعريفها من جانب الفيلسوف الفرنسي الآخر غاستون باشلار بوصفها “العلم في صورته الجنينية؛ قبل أن يحقق القطيعة الإبيستيمولوجية؛ ليصبح خطابا وصفيا حياديا”.
غير أن المفردة انتقلت لاحقا إلى الجارة المانيا، حيث ظهرت في  تحليلات كارل ماركس ‏K. marx‏ (1818 – 1883) في نقده للإقطاع والبرجوازية، في كتابه “الأيديولوجيا الألمانية”.
يحدد ماركس الأيديولوجيا باعتبارها “الوعي الزائف” أي تلك الأفكار التي تعكس مصالح الطبقة الحاكمة، التي تتناقض مع طموحات وأهداف طبقة البروليتاريا.
عرف المفهوم محطات عديدة -بعد تلك التي ذكرنا- مع أفلاديمير لينين (1870 – 1924) ثم أنطونيو غرامشي، وألوي ألتوسير، ثم بفعل الحقبة الشيوعية الحق المفهوم بالحركات الشيوعية؛ لصعودها خلال تلك الفترة؛ ولقوة تحكمها في عقول وعواطف جماهيرها وإلهامهم؛ بواسطة الخطابات الثورية.
كانت هذه رؤية موجزة عن المفهوم، والمخبر التاريخي والسوسيولوجي الذي تبلور فيه.
لكن ماذا عن بداية ظهوره في الفضاء العربي-الإسلامي؟ وكيف تطور وتجذر هنالك؟ مالوضع الراهن للحالة الأيدولوجية في الجغرافيا العربية؟ هل ساهمت الظاهرة الأيديولوجية في خلق نوع من الوعي عند جماهيرها، أم قتلته؟.
2: معالجة تحليلية:
لابد من الإشارة إلى أن للأيديولوجيا ضنوف مختلفة؛ فهناك إيديولوجيا سياسية، وإيديولوجيا دينية، وثالثة قومية…. إلخ
إن أول ظهور جدي للظاهرة الأيديولوجية في المنطقة العربية جاء مع نشوء مايعرف بحركات “الإسلام السياسي” وتحديدا الصورة الكبرى لهذا التيار؛ ممثلة في جماعة الإخوان المسلمين.
نشأت الجماعة عام 1928 في مصر، وظهرت كفعل إحتجاجي، بعد إلغاء كمال أتاتور الخلافة العثمانية 1924.
ظل الإسلام السياسي يتمدد شيئا فشيئا، في بيئة عربية في غاية الهشاشة؛ من ناحية التعليم، والمستوى الاقتصادي، وغياب الوعي الابستيمولوجي والسياسي. فحدث أن تشكلت جماعات؛ بعضها انفصل عن الجسم الأول (الإخوان المسلمين) وبعضها
بقي في عبائته، وقد نحت تلك الجماعات منحى جذريا عنفيا؛ فاصبح بعضها يقاتل مايسميه “بالغرب الكافر” (تنظيم القاعدة) والبعض الآخر فضل قتال الحكومات الموالية له (السلفية الجهادية في المغرب الإسلامي) وصنف ثالث تكفيري غير
تسامحي (السلفية العلمية؛ الوهابية الدعوية، غير الجهادية واللاسياسية) ثم أخيراً التنظيم المعاصر؛ الذي أعلن “الجهاد ضد الكل.
قد يعترض أحدهم بسؤال: كيف وقع الخلط هنا بين جماعات الإسلام السياسي التي رفعت شعار السلمية، وبين تشكيلات عدمية؟.
هناك سؤال ثان قد يساهم في حسم الإشكال: ما الفلسفة النظرية  للإخوان المسلمين مثلا؟.
لايمكن دراسة الإخوان ونصوصهم المرجعية، دون العودة إلى مؤسس الجماعة حسن البنا، وتلميذه سيد قطب. فلو عدنا لتراثهما لوجدنا أنه يكاد يماهي التراث الذي تستند إليه التنظيمات العنفية الإسلامية. فلنأخذ مقولة كمقولة الحاكمية (لاحكم إلا لله) المقالة التي حرم بها قطب الإختيار الحر، ومقولة جاهلية المجتمعات “الضالة” التي تتبنى “طاغوت الديمقراطية”.
هناك من الأدلة غير المقولتان، مايدلل على التناظم والإنسجام النظري والواقعي بينها جميعاً.
إن نتيجة تطبيق إيديولوجيا الإسلام السياسي داخل المجتمع العربي كانت باهظة؛ تربويا وسياسيا. اللافت في المركزيات الأصولية الإسلامية -كما يسميها محمد أركون- انها تبدأ برفع خصائص الإسلام الكبرى؛ الربانية والشمولية .. ثم
ماتلبث ان تسقط في الجزئية السياسية، عندئذ تبدأ رحلة الدوران من ماهو سياسي إلى ماهو سياسي، الحال الذي وصفه فريد الأنصاري بالتضخم السياسي،في كتابه “البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي”.
الخلط بين الديني والسياسي ليس أمرا طارئا، فالتجربة تخبرنا أن البداية تكون من المسجد، لتكون النهاية هي  السلطة.
النتيجة الثانية بانت في قتل هذه الحركات للعقل العربي؛ عقل النهضة الإسلامية، كما أسس له رواده: الأفغاني، محمد عبده، رشيد رضا .. الأمر الذي لم يعد ممكنا معه تأسيس عصر أنوار عربي، إن صح التعبير. يقول علي مبروك.
أضف إلى ذلك نظرتها المشبوهة للديمقراطية، وصراعها الدائب مع الحراك النسوي العربي، وغيره من قضايا الحداثة
والكونية، وتفضيل الإنغلاق على الذات.
ختاما نسجل هنا تضاءلا نسبياً  للأيديولوجيا في الدول التي تشهد حضورا مثكفا
للتعليم والحريات والأنشطة الاقتصادية.

شاهد أيضاً

العلم الشرعي والموقف الشرعي

أسفرت الأزمة الخليجية الحالية عن خيبة أمل عميقة في فقهاء ودعاة مشاهير انحازوا لمواقف حكومات …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *