المصدر: Pinterest

وهمُ القبيلة/ سارة محمد

وقفتُ مُتسمرًا في مكاني عاجزًا عن فهم عبارة أبي تلك ، بنبرة غضبٍ و انفعالٍ مبالغٍ فيه:
– أنت ول خيمه كبيره ..الناقصه!
كنتُ طفلاً يومها ،حاولتُ مرارًا شرحها لنفسي و تحويلها إلى شيء قد يستوعبه عقلي، هل يعني ذلك بأني من كوكبٍ آخر ، هل أنتمي إلى نوع ٍبشري فريدٍ من نوعه جينيًا وغيري بشرٌ من الدرجة الثانية ،إذا أنا ابنُ العظماء..فصيلة دمي مميزة جداً تؤهلني إلى النظر إليهم بدونيةٍ.علاماتُ الدهشةِ توطنت وجهي، مالفرقُ بيني و بين معاذ و عمر و محمود ،هل هم مثلي أم أقل مني ؟
أبناءُ قبيلتي في قاموسِ أبي هم سندي و قوتي ..الخير كله ،هم وطني و سلاحٌ لا يُقهر حسب قاموس أمي أيضاً.

كبرتُ وجاوزتُ العشرين و هم المقربون في مجالس أبي ، ربما ينتخبون عمي ، ربما يصفقون لابن عمي و حزبه . هم منقذو أختي من العنوسةِ لأن مبدأ مصلحة بمصلحةٍ سينفذُ عليّ ، هم أسيادُ كل شيء.
إنَّه لمن السخرية في نظرهم أن تكفر بالقبلية، لأنها تفرقنا و تجعل كل فردٍ منا يُعامل بتمييزٍ فظيع . وظيفتي سهلةُ المنال لأن قريباً لي في تلك الوزارة ، فلا داعي لأنتظر في الصف الطويل تحت لهيب الشمس. إنَّه لمن السخرية أن ترى مُثقفاً ارتحل بين قارات العالم و لا زال يؤمنُ بنفعها أكثر من ضررها!
إنَّه لمن السخرية أن أكذب على نفسي و أكذب عليكم، هذه هي الحقيقة التي لا يريد أحدنا سماعها ، لأننا ندركُ جيداً بأنها الحل الأمثل لكل مشاكلنا و دونها تتوقف عجلة الحياة في أرضنا!
إنَّه لمن السخرية أن أحصر شخصاً في قبيلته ، أن أزدري كل من يختلف عني ، أن أشعر بالفخر لإقصاء الآخر وإبقاء شأني عالياً .إنَّه لمن السخرية أن نتعثر في الطرق بسببها ،أن نقضي ساعات وساعات تُقصُّ على مسامعي حروبهم ، فليكن ما كان ..نحن في زمن آخر و أنت شخص آخر!
إنَّه لمن السخرية أن ترى النزعة المتعصبة في أعين الأطفال تكبر معهم ..تتغذى من المحيط حتى يصبح التخلص منها أمراً مستحيلاً..أن ترى الأصدقاء و الأحباء يتهاجرون بسببها ..قلوباً تُفطر بسببها!
إنَّه لمن السخرية أن أرى حفلاً باذخاً .. شعراً كاذباً لها ،و ما هو إلا تذكيرٌ بتأخرنا عن البشرية .متى ندرك أن مفهوم” القبائلية” كما يقول أمين معلوف في كتابه ” الهويات القاتلة” هو رهانٌ خاسر!
إنَّه لمن السخرية أن أرى كل منا يطعن في نسب الآخر سراً أو علناً، هل أسس التفريق المبنية على معيار الأفراد المنحازين إلى الجهوية و مشتقاتها غيرت شيئا!ً
لا نستطيع أن ننكر تأثرنا بالخطاب القبائلي الرنان..تحيزنا له .. تفاعلنا معها قصداً أو عن غير قصد ،لكن تلك المرحلة متجاوزة إن كنا فعلاً نريد إنصاف الذات و إنصاف الآخر و التخلي عن ازدواجية المعايير في الحكم و التعامل مع بعضنا ، هي وهمٌ  لأنها ببساطة لن تزيدنا إلا تشتتاً وإنغلاقاً عن العالم !!
إنَّه لمن السخرية أن نعاني من “الأنا” القبلية ، أن نتحدث عنها بنرجسيةٍ متغطرسة .. أن يُهدم وطنٌ هشُ البناء من أجلها ، أن تُقهر أجيالٌ بسبب تلك الأنانية العمياء، أن تبقى أرضنا مسلوبة الثروات بسببها .. أن تُغيب العقول لأجلها !
لنا حرية الاختيار ،هو خيارٌ شخصي بحت أن نُمجد الأجداد و تاريخهم ..و لن ننكر فضلهم لكنها حين تحولنا إلى آلة تنصف أفراداً و تُقصي آخرين ..هنا نحتاج إلى وقفة… إلى إعادة ترتيب أفكارنا قبل اعتناق وهم القبيلة !

شاهد أيضاً

تخرج الدفعة العاشرة من مدرسة الأركان الوطنية

وما أشرف وزير الدفاع الوطني السيد جالو مامادو باتيا، رفقة وزير الداخلية واللامركزية السيد أحمدو …